مظلومية وانتصار

أمريكا تتأخر والعالم يضبط ساعته

إسماعيل المحاقري

إلى العاصمة صنعاء تشخص أنظار العالم، وتحديدًا إلى توقيت الرد على العدوان الأمريكي البريطاني الذي استهدف صنعاء العاصمة والحديدة ومحافظات يمنية أخرى، وإلى طبيعة هذا الرد ومدى تأثيره وتعزيزه للصمود والثبات في مواجهة غطرسة قوى الهيمنة والاستكبار دعمًا وإسنادا للشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة في قطاع غزة.
ماذا يمتلك اليمن من قدرات؟ وكيف يمكنه تثبيت المعادلات في مواجهة الترسانة البحرية الأمريكية البريطانية؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة تأمين حركة التجارة لكيان العدو الإسرائيلي وكسب ثقة شركات الملاحة الدولية للمرور بباب المندب الاستراتيجي؟
الأسئلة كثيرة، ووحده الميدان المخول بالإجابة عنها.
فاليمن بتاريخه العريق وهويته الإيمانية ومبادئ وقيم شعبه، وعزة وصدق وعود قائده لا يمكن أن يتخلى عن القضية الفلسطينية، وإسناد غزة تحت أي ضغط من الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية.
تجربة الصمود الأسطوري للشعب اليمني المحاصر في مواجهة تحالف حرب السنوات التسع الماضية الذي أشرفت عليه ولا تزال واشنطن ونفذته أدواتها الإقليمية المتمثلة في السعودية والإمارات، تثبت أن القول ما قاله اليمنيون في البحر أو في البر “لن تمر أي سفن إلى الموانئ الفلسطينية المحتلة “إسرائيلية أو غير إسرائيلية” حتى رفع الحصار الظالم عن قطاع غزة ووقف العدوان الغاشم.
الاعتداءات الأمريكية البريطانية على اليمن والتحليق المستمر للطيران التجسسي لن يغير من الواقع شيئًا، ولن يزيد البحر الأحمر بلة، بل من شأن ذلك أن يزيد الموقف اليمني صلابة وقوة في مناصرة غزة وأهلها، وعزما واندفاعا في الرد على كل من يحاول أن يخلط الأوراق ويمنح جيش العدو مزيدا من الوقت للإيغال في سفك دماء الشعب الفلسطيني.
نتائج المقامرة الأمريكية جاءت عكس ما يتوهمه ويروج له البيت الأبيض ورياح اليمن تأتي بما لا تشتهيه السفن والبوارج الغربية.
ومن تأثيرات العسكرة الأمريكية للبحر الأحمر ارتفاع جديد في أسعار النفط، ومزيد من السفن تذهب في اتجاه طريق الرجاء الصالح ما يرفع تكاليف التأمين والشحن على حد سواء.
ومع استمرار ترقب المستثمرين لاحتمال تعطل الإمدادات النفطية في الشرق الأوسط في ظل التوتر القائم، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت وخام غرب تكساس وسط توقعات بارتفاع الأسعار إلى أكثر من 20% اذا ما امتد التوتر إلى مضيق هرمز والأمر وارد.
وارن باترسون رئيس وحدة أبحاث السلع الأولية في “آي. إن. جي” قال في تصريحات نقلتها “رويترز” الاثنين 15 يناير 2024 “إن هناك مخاطر تتعلق بالإمدادات في سوق النفط”..
وهذه المخاطر وفق باترسون لم تترك أثرًا ملموسا كبيرا على الإمدادات حتى الآن لكن احتمال ارتفاع الآثار واردة مع استمرار التوتر وزيادة التصعيد.
هذا التصعيد بقيادة أمريكا ومشاركة بريطانيا أدى أيضا إلى عرقلة ما لا يقل عن أربع ناقلات للغاز الطبيعي المسال في قطر مطلع الأسبوع وفقا لبيانات تتبع السفن من إل.إس.إي.جي.
البيانات أشارت إلى أن ناقلات “الغارية والحويلة والنعمان في رأس لفان” المحملة بالغاز القطري توقفت قبالة ساحل عمان في الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير وهي متجهة إلى قناة السويس كما توقفت “الركيات” قبلها بيوم في طريقها بالبحر الأحمر.

وعلى ضوء ذلك علقت شركة قطر للطاقة الشحن عبر البحر الأحمر لطلب المشورة الأمنية وفق مصدر مطلع أكد لرويترز أن الشحنات القطرية للطاقة ستبحر عبر طريق رأس الرجاء الصالح إذا ظل المرور عبر البحر الأحمر غير آمن وهذا من شأنه أن يؤثر بشكل مباشر على أوروبا نظرا لتأخر شحناتها من الغاز في ظل موجة البرد الشديدة والتي من المتوقع أن تتسبب في طلب قياسي على الغاز .
شركة هاباج لويد، وفي تحديث لها في أعقاب العدوان الأمريكي البريطاني على اليمن قالت إن الوضع في البحر الأحمر لم يتغير. وأضافت الشركة في بيان على موقعها الإلكتروني “سنعيد تقييم الوضع يوم الاثنين 22 يناير وهذا يعني استمرار عزوف سفنها عن المرور في البحر الأحمر ومثلها شركات وناقلات كثر.
استنادا إلى ذلك فإن التطمينات الأمريكية تحت ضغط القوة العسكرية لا تأتي أكلها وتذهب أدراج الرياح حتى الآن بامتناع ناقلات الغاز وسفن الشحن عن المرور من البحر الأحمر وتكدسها في سواحل جيبوتي وعمان خوفا من الاستهداف.
مثل هذه الشواهد تؤكد ان الولايات المتحدة ستفشل في تأمين سفن كيان العدو وستضر بأمن الملاحة الدولية ومن ثم تفقد الثقة بها كدولة تزعم قيادة العالم، فرأس المال كما يقال جبان.
أما بخصوص اليمن، فالواضح بالقول والفعل حرصه على أمن التجارة العالمية، باستثناء السفن الإسرائيلية، وهو ما يفرض على دول العالم ضبط ساعتها بتوقيت صنعاء لمرور سفنها دون اي اعتراض او استهداف، لأن الدوافع انسانية للاجراءات في البحر، وعلى الأمريكي التعقل وتخفيف منسوب التحريض لتنفيذ عمليات غير قانونية.
الصين وروسيا، ودول في الشرق والغرب لم تجار واشنطن هذه المرة. وثمة دول ترددت واخرى امتنعت من المشاركة في التحالف البحري الأمريكي المزعوم، لوضوح أهدافه المتمثلة بحماية امدادات الكيان الصهيوني التجارية، وهذا يحرج واشنطن ويضعف موقفها ويزيد تأكيد أن اي اضطراب في البحر الأحمر مرده تحويله إلى ساحة اشتباك من قبل امريكا.
في النهاية، ولتجنيب الملاحة الدولية المخاطر لا حل أمام البيت الأبيض سوى التخلي عن منطق القوة وممارسة الضغط على كيان العدو لوقف عدوانه وإنهاء حصاره على غزة.

المصدر: العهد