مظلومية وانتصار

الشهيد اللواء طه المداني.. قائد عسكري ورجل الأمن الأول

إبراهيم العنسي: بدماثة الخلق، وهدوء الأعصاب، ودقة الملاحظة كان الشهيد اللواء طه حسن إسماعيل المداني على موعد مع ميدان الشرف في أكثر من مناسبة.
ما قبل توليه المسؤول الأمني الأول لـ«أنصار الله»، ولاحقًا «اللجان الشعبية الأمنية» المنبثقة من ثورة 21 سبتمبر 2014م، ثم «عضو اللجنة الأمنية العليا» عقب الإعلان الدستوري في 7 فبراير 2015م، عندما تسلمت «اللجنة الثورية العليا» قيادة البلاد، كان لهذا القائد المحنك قصة نضال وثورة.

الرجل الذي عرفته المساجد والسجون _ في أوائل سنوات ما عرف بحروب صعدة الستة_ثائرًا بهتاف الصرخة “الموت لأمريكا”، كأبسط موقف حينذاك، عندما تحركت ثلة قليلة في مواجهة الهجمة الأمريكية على المنطقة في عهد جورج بوش الإبن وزمن حكم الخائن علي صالح، حيث نجا من الاعتقال في طريقه لأداء فريضة الحج، ليقع في أخرى لاحقًا عقب رفع الهتاف في الجامع الكبير بصنعاء عام 2003.

عُرف أبو حسن بحسه الأمني، وفق مقريين منه، وأسهمت محنة السجن في تبلور شخصيته المجبولة على هدوء الطبع، وبرود الأعصاب، وهي خصال ذاتية لا بد من توافرها لكل رجل أمن محنك.

في الساحة العسكرية أثبت المداني نفسه أيضاً في أكثر من جبهة.

وفي أواخر عام 2006م، وبعد انتهاء الحرب الثالثة، كان خروجه من السجن، فعاد وقتها الشهيد المداني إلى الميدان كرجل أمن، بعدما اكتشف عن قرب الحاجة الملحة لتأسيس جهاز أمني خاص يحمي ظهور المؤيدين لحركة “أنصار الله” من أي عمل مضاد في الغرف السوداء الممولة والمعدة خارجياً.
وفي العام 2007 ظهر أبو حسن إبّان الحرب الرابعة رجلاً لا يُشق له غبار، وفيها جُرح ثلاث مرات، وكانت هذه بمثابة أوسمة الشرف ومنزلة أولى النياشين.

هنا بدأت شخصية الشهيد أبو الحسن المداني تظهر كقائد يجمع بين الشخصية الأمنية والعسكرية على السواء.

عام 2008، إبّان الحرب الخامسة، تأكدت عسكريتُه إلى جانب موقعه الأمني حينما أدار المواجهة باقتدار في منطقة آل حميدان في مديرية سحار بصعدة، لتقع على يديه ورفاقه ما عرف آنذاك بمجزرة الدبابات.

وحينما شنت السلطة الحرب السادسة، أوكلت إليه مهمة الدفاع عن منطقة الصعيد في صعدة، فأدار معركة منطقة المقاش المحاذية لصعدة بكفاءة حتى النصر في مواجهة الفرقة الأولى مدرع التابعة للفار علي محسن الأحمر ومجاميعه التي عرفت بالبشمركة.

بعدها سهر الشهيد طه المداني على تحديث وتطوير الجهاز الأمني لـ”للأنصار”، وجعله منفصلًا عن الجانب “العسكري”، وبجدارة قدم خبرته الطويلة تلك لـ “ثورة 21 سبتمبر” سنة 2014، لتنبثق منها “لجان أمنية شعبية” مثّلت قوة إسناد لأجهزة الدولة، الأمر الذي مكنه من بسط الأمن على أوسع نطاق، كما تحقق تحت إشرافه تفكيك مئات الخلايا المتصلة بتنظيم “القاعدة” وعناصر الأحمر، ملحقًا بأجهزة الاستخبارات الأجنبية هزائم كبرى.

لم يتوقف عند ذلك الحد كمسؤول أمني وعسكري في الصف الأول.. انطلق بعدها للتصدي للعدوان الأمريكي ــ السعودي، وبادر بنفسه إلى إسناد رفاقه، فسبقهم إلى الشهادة في ساحات الدفاع الوطني، لكن ثمّة تكتم متعمد على مكان وتاريخ ووقت استشهاده رغم كمّ الشائعات الكثيرة حول ذلك.

بهذا يكون قد حقق منتهى ما يتمناه كثيرون غيره، على الصعيد الشخصي بعد رحلة كفاحية كانت عظيمة الأثر، بما ترك خلفه من إرث ثوري زاخر العطاء.

ويكفي وصف السيد القائد له حين قال: “كان كثير المعونة، قليل المؤونة”.

ومع اعتراف قائد القيادة المركزية الأميركية الوسطى فرانك ماكينزي بأن “الولايات المتحدة تعاني من محدودية قدرات الاستطلاع الأميركية فوق اليمن، خاصة فيما يتعلق بقدرات الاستطلاع(آي.أس.آر).

فإن هذا الإنجاز قد حمل بصمات هذا الرجل، كقيادي لن تستطيع أجهزة المخابرات الأجنبية أن تنسى اسمه، مؤسساً للجهاز الأمني.. ذلك كان الشهيد اللواء طه حسن اسماعيل المداني أبو الحسن.