تقرير | أنس القاضي

أعاد العدوان الأميركي على فنزويلا تحريك مشهد احتجاجي وتضامني واسع في عدد من دول العالم، عبّرت فيه قوى سياسية واجتماعية وشعبية عن رفضها للحروب واستهداف مقدرات الشعوب؛ فخلال ساعات من الإعلان الأميركي عن جريمتها بحق فنزويلا ورئيسها نيكولاس مادورو، صدرت بيانات إدانة وتضامن من حكومات وأحزاب ونقابات وحركات سياسية، بالتوازي مع خروج تظاهرات في مدن تنتمي إلى قارات مختلفة تجمعها كراكاس. هذا التفاعل المتعدد المستويات لا يُقرأ بوصفه تعاطفاً أخلاقياً عابراً، بل إشارةٌ سياسية إلى اتساع دائرة الرفض للسلوك الإمبريالي الأمريكي، بما في ذلك داخل المجتمعات الغربية والشارع الأمريكي نفسه، الذي يرفض تدخلات بلاده في الشؤون الداخلية للدول أو العدوان عليها، كما رفض سابقاً العدوان الإسرائيلي على غزة والتعاون الأمريكي مع الكيان الصهيوني في حرب الإبادة.

تضامن عالمي يتجاوز القارات

تتبدّى قيمة التضامن في تنوع فاعليه وجغرافيته، فعلى المستوى الرسمي صدرت إدانات من روسيا والصين، ودول في أميركا اللاتينية وآسيا وإفريقيا، أبرزها مواقف حكومات مثل كوبا، بوليفيا، البرازيل، نيكاراغوا، وعدد من الدول الأفريقية والآسيوية التي شدّدت على رفض انتهاك السيادة، ورفض منطق الإملاء الخارجي. هذا الرفض الرسمي -حتى حين يكون محدود الأدوات- يُقوّض سردية “الإجماع الدولي” التي غالباً ما تُستدعى لتبرير العدوان.

أما على المستوى الحزبي–النقابي، فقد برزت بيانات أحزاب يسارية وشيوعية وتقدمية في أوروبا وأميركا اللاتينية، إلى جانب اتحادات ونقابات عمّالية في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا الغربية، وفي العالم العربي فلسطين والعراق والاردن وسوريا واليمن (حكومة صنعاء). اللافت أن هذه المواقف صدرت من قوى تختلف في سياقاتها الوطنية، لكنها التقت على توصيف واحد تقريباً لطبيعة السلوك العدواني الأميركي.

وعلى المستوى الشعبي، خرجت تظاهرات في عواصم إقليمية ودولية، من كراكاس ولاباز وهافانا، وريودي جانيرو ومومباي، إلى مدريد وباريس وبرلين وأثينا، وصولاً إلى مدن داخل الولايات المتحدة مثل نيويورك وواشنطن ولوس أنجلوس. وهذا الامتداد داخل الفضاء الأميركي نفسه يمنح التضامن دلالة إضافية، إذ يكشف فجوة متزايدة بين خيارات السلطة وخيارات قطاعات من المجتمع الأمريكي ذاته الذي رفع شعار “أمريكا أولاً” وأنتخب ترامب من أجل ألا تخوض الولايات المتحدة حروباً في الخارج وتركز على التنمية والخدمات في الداخل، فيما القطاعات الشعبية الأخرى هي في الأصل رافضة لإدارة ترامب، ومثل هذه السلوكيات العدوانية تجعلها أكثر رفضا لترامب وإدارته.

أحرار العالم ضد العدوان

تكشف البيانات والمواقف التضامنية مع فنزويلا -على اختلاف مصادرها وجغرافياتها- عن إجماع نادر لا يقتصر على إدانة عدوان بعينه، بل يطال رفض منطق كامل في إدارة النظام الدولي. فقد جرى توصيف التدخل الأميركي بوصفه انتهاكاً صريحاً للسيادة وامتداداً لنمط إمبريالي متكرر يقوم على الإكراه السياسي والاقتصادي ونهب الموارد وفرض الإرادة الخارجية بالقوة، لا بوصفه استجابة لأزمة داخلية أو دفاعاً عن الديمقراطية.

وفي هذا السياق حذّرت هذه المواقف من أن التساهل مع العدوان على فنزويلا لا يهدد استقرار دولة واحدة فحسب، بل يفتح الباب أمام تعميم شريعة القوة، وتقويض ما تبقّى من القانون الدولي والنظام العالمي المتآكل اصلاً، وتحويل العقوبات والحصار إلى أدوات طبيعية لإخضاع الشعوب التواقة إلى الحرية والمدافعة عن سيادتها. بهذا المعنى، لا يُقرأ التضامن مع فنزويلا كموقف ظرفي متعلق بحادثة بعينها، بل كتحذير عالمي من مسار عدواني أمريكي يُعيد إنتاج الفوضى وعدم الاستقرار، ويضع مستقبل السيادة الوطنية في العالم مفتوحاً على العدوان.

الموقف اليساري العالمي

القاسم المشترك في بيانات الأحزاب والحركات اليسارية لم يكن مجرد رفض للعدوان، بل توصيفه ضمن إطار بنيوي، تتكرر فيه مفردات مثل “الإمبريالية”، “نهب الموارد”، “تغيير الأنظمة”، و”انتهاك السيادة”، بما يعكس سردية نقدية ترى في ما يجري استمراراً لنمط تاريخي لا حادثة استثنائية. هذا التوصيف يظهر في بيانات أحزاب شيوعية أوروبية، وحركات تحرر لاتينية، ونقابات عمّالية في الشمال العالمي، وهو تقارب لغوي–سياسي لا يمكن ردّه إلى تنسيق تنظيمي، بل إلى تراكم وعي سياسي مشترك.

بهذا المعنى، لا تتعامل هذه القوى مع فنزويلا كملف منفصل، بل تضعها في سياق واحد مع فلسطين، واليمن، ولبنان، وإيران، حيث تتكرر أدوات الضغط نفسها بأشكال مختلفة. إن حضور فلسطين -على وجه الخصوص- كمركز أخلاقي في الخطاب التضامني، والتلويح بالأعلام الفلسطينية وارتداء المتظاهرين الشال الفلسطيني الذي تستخدمه عناصر المقاومة في تغطية وجوهها، يمنح هذا الوعي بعداً أممياً ثورياً، ويحوّل كل ساحة جديدة إلى اختبار إضافي لصدقية النظام الدولي.

التضامن وأزمة الشرعية الأمريكية

لا يعني اتساع التضامن أن موازين القوة ستنقلب سريعاً، فالمسيرات والبيانات لا تُعادل أدوات الردع الصلبة، ولا تُنتج بديلاً مؤسسياً فورياً، غير أن أثرها الحقيقي يتجلّى في تآكل شريعة الغاب؛ فالقوة الإمبريالية -وإن ظلّت قادرة على الفعل- تواجه صعوبة متزايدة في إضفاء شرعية أخلاقية وقانونية مستقرة على أفعالها، خصوصاً حين يتكرّر الرفض الشعبي عبر جغرافيات مختلفة.

هذا الرفض يرفع كلفة الاستمرار، ويُربك الخطاب الرسمي، ويُظهر أن “القبول الدولي” لم يعد مضموناً حتى داخل المجتمعات الغربية. بعبارة أدق، التضامن لا يغيّر ميزان القوة الصلبة، لكنه يغيّر شروط استخدامها، ويُضيّق هامش المناورة السياسية والإعلامية المعادية.

من فنزويلا وأمريكا اللاتينية إلى العالم العربي الإسلامي

تكتسب هذه اللحظة معناها الأوسع حين تُقرأ كجزء من سلسلة تضامن عالمي ممتدة. فالمفردات التي تُستخدم اليوم في الدفاع عن فنزويلا هي ذاتها التي برزت في التضامن مع فلسطين واليمن ولبنان وسوريا في السنوات الماضية في ظل معركة طوفان الأقصى أكتوبر 2023م –أكتوبر 2025م، هذا التشابه ليس صدفة، بل نتاج إدراك متزايد لطبيعة نظام عالمي يسمح باستخدام القوة حين تخدم مصالح محددة، ويتجاهل القواعد حين تُصبح عائقاً.

في هذا السياق، يتحول التضامن إلى ذاكرة سياسية حيّة، تُراكم خبرات الرفض، حتى وإن ظلّ تأثيرها المباشر محدوداً. إن تراكم هذه الذاكرة هو ما يُقلق القوى المهيمنة على المدى البعيد، لأنه يُنتج أجيالاً أقل قابلية لتصديق السرديات الجاهزة.

حدود التضامن وإمكاناته

رغم اتساع المشهد، تبقى حدود التضامن واضحة؛ فغياب أدوات تحويل الرفض الشعبي إلى ضغط مؤسسي منظم، واستمرار الانقسام داخل دول الجنوب العالمي ذاتها، يسمحان للعدوان الأمريكي بالاستمرار، ومع ذلك، فإن قيمة التضامن تكمن في كونه مؤشراً مبكراً على تحولات أعمق في الوعي العالمي، حتى لو لم تُترجم بعدُ إلى سياسات، كما أنه ينزع الشرعية الأخلاقية عن المعتدين، ويوصل رسالة إيجابية للشعب الفنزويلي أن شعوب العالم تقف معه في معركة الدفاع عن الوطن وسيادته.

خلاصة

يكشف التضامن العالمي مع فنزويلا أن الشعوب لا تزال حاضرة، وأن رفض الهيمنة الإمبريالية ليس قناعة حزب وشعب مُعين، بل قناعة عالمية لشعوب العالم في الشرق والغرب وداخل الولايات المتحدة ذاتها، لكنه يكشف أيضاً أن المعركة طويلة، وأن الفجوة بين الوعي الشعبي والقدرة المؤسسية ما تزال واسعة، وفي هذا التوتر بين الحضور والعجز، تتحدد طبيعة المرحلة: قوة قادرة على الإيذاء، لكنها تعجز -على نحو متزايد- عن إنتاج الشرعية أو إعادة الاحتلال المباشر كما جرى في أفغانستان والعراق. والتضامن -في هذا السياق- ليس نهاية الطريق، بل أحد ميادين الصراع الأساسية حيث تضغط الشعوب على حكوماتها باتخاذ مواقف أكثر عدلاً وإنصافاً، وعدم الانجرار مع الولايات المتحدة الأمريكية وفي غطرستها. وحتى الآن وحده الكيان الصهيوني الذي رحب بالعدوان الأمريكي على فنزويلا، هذا الكيان المنبوذ من شعوب العالم بسبب جرائم الحرب التي ارتكبها بحق الشعب الفلسطيني مؤخراً.