الحصار اليمني الاستراتيجي: من شلل “إيلات” إلى بيع “زيم” وتفكيك منظومة الردع
تقرير
في مشهد يعكس التحول الجذري في موازين القوى الإقليمية، تتوالى المؤشرات الدالة على عمق الأثر الذي أحدثته العمليات العسكرية البحرية اليمنية، ليس فقط على مستوى تعطيل الملاحة الإسرائيلية، بل على صعيد إعادة هيكلة مفاهيم الأمن البحري والردع الاستراتيجي في المنطقة، فما بين شلل ميناء “إيلات” وأزمة بيع شركة الشحن الإسرائيلية “زيم” واعترافات العدو الإسرائيلي بصعوبة المواجهة، تبرز حقائق جديدة تثبت أن الجبهة البحرية اليمنية قد فرضت معادلة مختلفة تمامًا، تتجاوز حدود الزمان والمكان لتخلق حالة من الردع طويل الأمد.
في إطار المحاولات الإسرائيلية لتفادي الانتكاسة التي منيت بها شركات الشحن الإسرائيلية جراء الحصار اليمني خلال معركة إسناد غزة، لجأ العدو إلى بيع شركة “زيم” إلى شركة ألمانية في محاولة للتمويه وإبعاد سفن الشركة عن الاستهداف اليمني في حال تجددت المعارك، ومن جهة أخرى فإن الشركة باتت عبئا على الكيان بعد فشل محاولات إنعاشها بالرغم من توقف الحرب.
صحيفة “كالكاليست” العبرية أفادت بأن شركة “زيم” الإسرائيلية تواجه اضطرابات داخلية حادة تمثلت في إضراب الموظفين ووقف عمليات تحميل وتفريغ السفن، وصولاً إلى الإعلان عن صفقة بيع الشركة لصالح شركة الشحن الألمانية العملاقة “هاباغ لويد” مقابل 4.2 مليارات دولار.
لم تكن صفقة بيع شركة “زيم” الإسرائيلية للشحن مجرد خبر اقتصادي عابر، بل مثلت جرس إنذار استراتيجي للكيان الإسرائيلي، كاشفةً عن حجم التأثير الذي أحدثته العمليات اليمنية في شريانها التجاري الحيوي، فالتقارير الإسرائيلية -لا سيما في صحيفتي “إسرائيل هيوم” و”كالكاليست”- لم تخفِ القلق الوجودي من هذه الخطوة، معتبرة أنها “تهدد استقلال الكيان في مجال النقل البحري في حالات الطوارئ”، وهذا القلق ينبع من إدراك “تل أبيب” أن أكثر من 90% من وارداتها تعتمد على البحر، وأن ما جرى خلال الحرب الأخيرة من حصار بحري يمني فعّال كشف عن هشاشة هذا الكيان المعزول جغرافيًا.
إن صفقة بيع “زيم”، التي ستخرج جزءًا كبيرًا من أسطول السفن الإسرائيلي عن السيطرة المباشرة، تؤكد أن الشركات الكبرى لم تعد ترى في موانئ فلسطين المحتلة بيئة آمنة للاستثمار كناتج للحصار اليمني، فإضراب الموظفين، ووقف العمليات، والوصول إلى صفقة بيع بعد إفلاس الخيارات، كلها أعراض لأزمة عميقة سببها الرئيس هو حالة الخوف المستمر من تجدد العمليات اليمنية. ويأتي تحذير ما تسمى “وزيرة المواصلات” في الكيان الإسرائيلي ليعكس القلق الإسرائيلي من أن القدرات اللوجستية للكيان في أي حرب مقبلة قد أصيبت في مقتل، بعد أن فقدت السيطرة على عدد كافٍ من السفن التي تضمن استمرار الإمدادات في الظروف الطارئة، خاصة وأن الكيان يعتمد على الإمدادات البحرية بنسبة 90%. هنا يتجلى أثر العمليات اليمنية كعامل استراتيجي دائم يعيد تشكيل البنى التحتية والاقتصادية للعدو.
إن المشهد في أقصى جنوب فلسطين المحتلة يعكس الصورة الأكثر وضوحًا لفاعلية الحصار اليمني، فمدينة أم الرشراش “إيلات”، التي كانت بوابة الكيان الإسرائيلي التجارية نحو الشرق وآسيا، تحولت إلى واجهة أزمة متعددة الأبعاد، فمن جهة، لا يزال ميناؤها عاجزًا عن استئناف نشاطه الطبيعي، مع إعلان توقف كامل للحركة التجارية ورفض شركات التأمين الدولية تغطية أي رحلات بحرية إليه، وهو ما يمثل خسارة اقتصادية دائمة وإغلاقًا فعليًا لأهم بوابة بحرية جنوبية. ومن جهة أخرى، يكشف إطلاق العدو الإسرائيلي لمناورات واسعة في المنطقة تُحاكي سيناريوهات محتملة مع الجيش اليمني كـ”التسلل البحري” و”الهجمات الصاروخية على المراكز السياحية”، عن تحول جذري في التقييم الأمني الإسرائيلي للمدينة، فتصنيف “إيلات” كـ “منطقة معرضة لتهديد حقيقي” يؤكد أن اليمن نجح في نقل المعركة إلى عمق الكيان، وأن حالة التأهب القصوى التي يعيشها العدو الإسرائيلي إنما هي اعتراف ضمني بأن “الردع الإسرائيلي” قد انكسر، وأن الجيش اليمني بات يتحكم بمنطقة واسعة من خريطة التهديدات.
لم يقتصر تأثير الفعل العسكري اليمني على العدو الإسرائيلي وحده، بل امتد ليهز أركان أقوى قوة بحرية في العالم، فاعتراف قائد البحرية الأمريكية، الجنرال داريل كاودل، بالحاجة إلى تغيير العقيدة القتالية والانتقال من حاملات الطائرات الضخمة إلى سفن أصغر وأكثر مرونة هو إقرار صريح بالفشل الذي منيت به البحرية الأمريكية في مواجهة التكتيكات اليمنية غير المتماثلة، فالمعادلة التي فرضها اليمنيون في البحر الأحمر، القائمة على حرب الاستنزاف والهجوم المكثف منخفض التكلفة، كشفت حدود قدرات المنصات البحرية الأكثر تطورًا.
وتذهب التحليلات الاستراتيجية -كما ورد في مركز “جيروزاليم” الاستراتيجي- إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن تواجد حاملات الطائرات الأمريكية في المنطقة أصبح “استعراضيًا” بعد فشلها في ردع اليمنيين، فالبيئة الجديدة -التي تمتاز بامتلاك القوات اليمنية لصواريخ باليستية مضادة للسفن، وصواريخ كروز، وطائرات مسيّرة هجومية، وألغام بحرية، وسفن مسيّرة- جعلت من مضيق باب المندب منطقة خطر وجودي على السفن الحربية الأمريكية ذاتها. هذا الواقع وضع واشنطن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانخراط في حرب استنزاف مكلفة وغير مضمونة النتائج، أو إعادة هيكلة وجودها البحري بما يتناسب مع التهديد الجديد الذي فرضته القوات المسلحة اليمنية. إن الحديث عن “التحول إلى الأنظمة الروبوتية” هو دليل على أن المعادلة الأمريكية التقليدية لم تعد صالحة في مواجهة الإرادة والقدرات اليمنية.
على الصعيد العسكري المباشر، يكشف اعتراف كيان الاحتلال بعجز دفاعاته الجوية الحالية، وسعيه الحثيث لنشر منظومة “آرو 4” الجديدة بدلا من “آرو 2” عن حجم الصدمة التي أحدثتها الصواريخ والمسيّرات اليمنية في البنية العسكرية الإسرائيلية والأمريكية معا، فالتسريع بإدخال هذا الجيل الجديد من المنظومات الدفاعية ليس تطورًا طبيعيًا، بل هو اعتراف بالفشل الذريع الذي منيت به الأنظمة القائمة في التصدي للصواريخ الباليستية والفرط صوتية القادمة من اليمن. إن رهان العدو الإسرائيلي على “آرو 4” لمحاولة استعادة الردع الذي تآكل، يقابله يقين لدى المراقبين بأن اليمن، الذي أثبت قدرته على تطوير تكتيكاته وأسلحته، يمتلك عنصر المفاجأة والقدرة على اختراق أي طبقات دفاعية جديدة، فالمعركة مع اليمن ليست مواجهة تقليدية، بل هي حرب استنزاف واستراتيجية تتطور باستمرار، وأي تحديث دفاعي إسرائيلي سيقابله -حتما- تطور هجومي يمني.
إن مجمل هذه التطورات يؤكد أن ما أنجزته القوات المسلحة اليمنية يتجاوز كونه عمليات عسكرية ناجحة، ليتحول إلى تحول استراتيجي دائم في معادلة الصراع مع العدو الإسرائيلي، فقد نجحت اليمن في خلق حالة من الردع طويل الأمد، حيث باتت آثار عملياتها تلاحق اقتصاد العدو ولوجستياته حتى بعد توقف إطلاق النار، فسلاسل الإمداد الإسرائيلية أصبحت أكثر هشاشة، والموانئ فقدت ثقة الشركات العالمية، والدفاعات الجوية أثبتت محدوديتها، وأقوى بحرية في العالم اضطرت لإعادة النظر في عقائدها.
هذا الواقع الجديد يوجه رسائل واضحة للإقليم والعالم بأن أي قوة تتربص باليمن أو تساند العدوان عليه ستضع نفسها في دائرة الخطر ذاتها، فبعد هذه التجربة، تمكن اليمن من تثبيت نفسه لاعباً رئيساً في معادلة الأمن الإقليمي، وأصبح بمتلك قدرة مؤكدة على استخدام الورقة البحرية كأداة ضغط استراتيجية فعالة، قادرة على إيلام الخصوم وإرباك حساباتهم، وفرض شروطه على معادلة الصراع الأوسع في المنطقة.
