أفضت هذه السياسة الممنهجة إلى مشهد مأزوم في واقع الأمة، فانفصلت فيه قطاعات واسعة من الأمة عن مصدر قوتها، فتراجع الارتباط العملي بالقرآن الكريم، وتضاءلت معه القدرة على مواجهة الهيمنة الخارجية، ووجدت البدائلُ طريقَها إلى العقول، حيث رُوِّجت الرؤى الغربية بوصفها النموذج “المتحضر”، فيما تم تصوير الرؤية القرآنية على أنها منغلقة ومتشددة، ومع انحسار المرجعية الواحدة تراجعت الوحدة الفكرية، وتشتتت المواقف، وتبعثرت الأهداف، في مشهد يخدم المشروع الصهيوني بأوضح صوره.
مكمن الخطر الذي يراه العدو في القرآن الكريم هو في قدرته على الحشد والتعبئة، وصياغة هوية مقاومة ترفض الخضوع وتحارب الاستكبار، فالصهيونية على يقين من أن القرآن الكريم مشروع حياة كامل، ومن هنا تحوّل استهدافه إلى أولوية قصوى في السياسات الصهيو-أمريكية الساعية إلى تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية للمنطقة، ومن منطلق أن تغييب القرآن الكريم عن واقع الأمة هو الطريق الأقصر لإخضاعها، وأن بقاء النص الإلهي حاكماً للحياة يعني استحالة استعباد الأمة أو تطويع إرادتها.

تفريغ النص القرآني من فاعليته

أولى أدوات هذا المخطط تتمثل في تحويل القرآن الكريم إلى نص غير وظيفي، لا يُستدعى عند القضايا المصيرية، فبدلاً من الدعوة الصريحة لتركه، جرى إفراغه من مضمونه الحركي، عبر إغراق الساحة بخلافات فقهية جزئية، وجدليات تاريخية عقيمة، تجمّد الطاقات وتبعد الأنظار عن العدو الحقيقي وعن المبادئ الكبرى كإقامة القسط، ومواجهة الطغيان، والتحرر من الهيمنة. ومع انصياع العملاء من الأمة للفكرة الغربية القائلة  بأن القرآن الكريم كتاب روحاني فردي لا شأن له بإدارة الدولة أو الصراع مع الأعداء انعكس ذلك على واقعهم فأُقصِيَ النص عن ساحة الفعل، وأُفسح المجال لمناهج فكرية مستوردة، أو صيغٍ من “الإسلام المُدجَّن” المصمم على مقاس المصالح الغربية.
ومن أخطر محاور الاستهداف فرض وصاية فكرية على فهم القرآن الكريم، عبر ربط آيات الجهاد بمفاهيم “الإرهاب” في حملة إعلامية واسعة تدار بأدوات صهيو-أمريكية بغرض زرع الخوف من النص ذاته، ودفع المسلم بعيداً عن القراءة الواعية المباشرة. ويتكامل ذلك مع إضعاف اللغة العربية، ما يحرم الأجيال من العمق الدلالي للقرآن الكريم، ويجعلهم أسرى تفسيرات سطحية محرَّفة، تفرغ الآيات من بعدها التحرري، وتحيّدها عن قضايا الأمة المركزية.

الاجتياح الثقافي وحرب الوعي

في ميدان الإعلام والثقافة، تتجلى “حرب الوعي” بأوضح صورها، إذ تغرق الساحة بإنتاجات ترفيهية وقيم مستوردة، تعيد تشكيل الذائقة والسلوك، وتزيح القرآن الكريم عن موقعه كمرجعية أخلاقية ومعرفية، ومع الوقت، يسخَّف حضور النص، وتطمس قداسته، ليُختزل إلى رمز تراثي  لا منهاج حياة يُتَّبع.
ولا يمكن فصل هذا المخطط عن الدور الأمريكي المحوري، فواشنطن تتولى إدارة وتمويل “حرب الوعي” عبر مراكز فكرية ومنابر إعلامية تعيد صياغة خطاب ديني مفرغ من مضمونه المقاوم، فتحت شعار “مكافحة التطرف” تفرض الوصاية على المناهج والخطاب الديني، وتمارس الضغوط لحذف كل ما يفسَّر على أنه دعوة لمواجهة الاحتلال، وفي الوقت ذاته، تضيق المنصات العالمية على المحتوى القرآني الواعي، بينما تُفتح الأبواب أمام سيل من المحتوى الغربي الملهي.
بل يتجاوز الأمر ذلك إلى توفير “الغطاء القانوني” للإساءة إلى القرآن الكريم في العواصم الغربية، في ازدواجية فاضحة تكشف حقيقة المشروع الغربي.

القرآن مشروع حياة وسلاح أمة

في خضم هذا الصراع، تتجلى حقيقة القرآن الكريم بوصفه مشروع حياة ومصدر قوة لا ينضب، فالمعركة -كما يؤكد السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي- ليست خلافا فكريا عابرا، بل مواجهة وجودية بين جبهة تحمل القرآن الكريم وأخرى تسعى لإبعاده عن حياة الناس، إدراكاً منها أن قوة الأمة ووحدتها تنبع منه.
إن استهداف القرآن الكريم هو مسعى منظم لنزع أخطر أسلحة الأمة المتمثل في وعيها، ونجاحُ هذا المسعى يعني تهميش القضايا المركزية، وتحييد طاقات المواجهة، وفتح الأبواب على مصراعيها للهيمنة الغربية.

إن القرآن الكريم يُعَدُّ كتاب حركة وتغيير، نزل في قلب الصراع، وخاطب الإنسان وهو يواجه أسئلته الكبرى. ومن هنا ينطلق المشروع القرآني الذي أسسه الشهيد القائد السيد حسين بدرالدين الحوثي “رضوان الله عليه” باعتبار القرآن الكريم منهاجا ينظم الحياة ويضبط العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان ومجتمعه، ويقدّم إجابات عملية عن قضايا العدل، والحرية، والكرامة، والمسؤولية، والاستقلال.
في هذا الإطار، يُقدِّم الشهيدُ القائد القرآنَ الكريم بكونه رؤيةً حية تتفاعل مع الواقع، وتستوعب تعقيداته، وتؤسس لموقف واع منه، بعيدا عن الارتجال أو التبعية وثقافة الخنوع.
وفي التجربة اليمنية، جاء المشروع القرآني استجابةً واعية لأزمة شاملة، أزمة هوية، ووعي، وارتهان لمشاريع غربية فرّغت الأمة من ذاتها، وقطعتها عن مصادر قوتها، فكان القرآن الكريم هو نقطةَ الانطلاق لاستعادة الثقة بالذات، وإعادة تعريف الصديق والعدو، والحق والباطل، والنصر والهزيمة.
وبالتالي فالمشروع القرآني يعمل على بناء الإنسان الواعي، إنسان يعرف لماذا يعيش، ولماذا يجاهد، ولماذا يصبر، ويستمد من القرآن الكريم وعيه وقيمه ومواقفه. وهنا يتحول الإيمان من حالة وجدانية مجردة إلى قوة دافعة للفعل والتأثير.

القرآن والملاذ الآمن للأمة

في عالم فقد فيه الإنسان الطمأنينة، وغرقت فيه المجتمعات في دوّامات القلق والخوف واللا يقين، يقدّم القرآن الكريم الأمن الحقيقي بدءا بأمن القلب قبل أمن الجغرافيا، فهو يحرّر الإنسان من الخوف إلا من الله، ويمنحه معيارا ثابتا وسط فوضى المعايير، فالقرآن الكريم يعلّم الأمة كيف تقف بثبات، حتى وهي تحت الحصار، وكيف تحوّل الصراع والتضحيات والتحديات إلى فرص للنهوض.
ما يميّز المشروع القرآني أنه لا يتعامل مع القرآن الكريم أنه حلّ جزئي، وإنما مشروع نهضوي شامل، ففيه رؤية للاقتصاد وللسياسة وللإعلام وللجانب العسكري والأمني وفي مختلف المجالات، كما يعيد القرآن الكريم ترتيب سلم الأولويات، فيقدّم القيم على المصالح، والمبدأ على المكاسب الآنية، وبهذا المعنى يصبح القرآن الكريم خارطة طريق للخروج من حالة التيه التي تعيشها الأمة.

من التلاوة إلى الشهادة الحضارية

التحدي الأكبر الذي يطرحه المشروع القرآني هو الانتقال من تلاوة الحروف إلى تلاوة المواقف، ومن حفظ النص إلى تجسيده في السلوك، فالقرآن الكريم لا يريد أمة تحفظه ثم تخالفه، بل أمة تشهد به على نفسها وعلى العالم، سلوكا وعدلا وموقفا.
وفي التجربة اليمنية تتجلّى هذه الشهادة في الانتصار لقضايا الأمة، ومواجهة الطغيان الأمريكي الإسرائيلي، والبناء للأمة في مختلف المجالات، والثبات، والوعي، ورفض الخضوع، والتمسك بالحق. وهنا يتجسد القرآن الكريم كقوة تصنع الإنسان الحر.
ومن خلال المشروع القرآني في اليمن تتأكد حقيقةٌ طالما غُيّبت، تتمثل في أن الأمة، حين تعود إلى قرآنها بوعي، لا يمكن هزيمتها.