المشروع القرآني.. قوة التأثير وحسن الأثر

عندما بدأ الشهيد القائد السيد / حسين بدر الدين الحوثي” رضوان عليه” مشروعه القرآني في 2002 م، لم تفرش له الأرض ورودا ورياحين بل جوبه بالرفض والمعارضة ولم يستجب له سوى ثلة قليلة من المؤمنين الذين استشعروا مسؤوليتهم أمام الله وأمام المستضعفين من عباده.

أما البقية فقد انقسموا إلى فرق متفاوتة في موقفها السلبي من هذا المشروع، فمنهم من هرع لنصحه بتأجيل هذا المشروع بحجة أن الوقت ليس مناسبا والبعض ترجاه من منطلق الحرص والشفقة أن يترك هذا المشروع ويتخلى عنه أما البعض الآخر فقد اعتبروه مجازفة وتهورا فنأوا بأنفسهم عنه واكتفوا بالتفرج من بعيد منتظرين مآلات الأمور ونتائج الأحداث بينما شمر الأكثرية عن سواعدهم وهبوا لمواجهة هذا المشروع بشتى السبل والوسائل.

وإذا ما تحدثنا عن الموقف السلبي للسلطة اليمنية آنذاك من هذا المشروع فهو الأكثر سوءا والأشد صلفا وتعنتا إذ وقفت بقضها وقضيضها وإلى جانبها لفيف من الوجاهات والشخصيات الاجتماعية من مشائخ وأعيان ومثقفين وأدباء ومعهم الكثير من أتباعهم والمتأثرين بهم ضد هذا المشروع العظيم وحاربوه حربا شعواء لا هوادة فيها عسكريا وسياسيا وثقافيا وفي كل الجوانب وعلى كل الأصعدة خاصة بعد أن أطلق الشهيد القائد “رضوان الله عليه” شعار الصرخة:

الله أكبر

الموت لأمريكا

الموت لإسرائيل

اللعنة على اليهود

النصر للإسلام
يؤمن به وغير ذلك من السياسات القذرة التي اتبعها ونفذها لوأد هذا المشروع في مهده.

لكن كل ذلك لم يفِ ولم يكفِ للقضاء على هذا المشروع ولا حتى محاصرته في مكان محدود إذ واصل الشهيد القائد “رضوان الله عليه” مشروعه متقدما إلى الأمام فاستشاطت أمريكا غضبا وحنقا واستدعت رئيس الدولة يومئذ ” على عبد الله صالح ” إلى واشنطن وأمرته بشن حرب قاسية ضد السيد حسين ومن معه من المجاهدين فعاد من واشنطن ليقرع طبول الحرب بعد أن حشد لها تأييدا واسعا من أغلب المكونات الشعبية والحكومية من أحزاب وهيئات ومؤسسات وشخصيات نافذة ومفكرين ومثقفين ودارت رحى حرب ضروس بين طرفين غير متساويين لا عددا ولا عدة ولا تدريبات ولا خبرات قتالية.

وقد أوعزت السفارة الأمريكية لأدواتها أن يرتكبوا أبشع المجازر بحق المجاهدين وكل من يتعاطف معهم من أبناء المناطق التي احتضنت الشهيد القائد ومشروعه حتى يكونوا عبرة لمن اعتبر وتقدم أمريكا من خلالهم رسالة للآخرين مفادها «هكذا يكون مصير كل من تسول له نفسه عداء أمريكا».

وما كادت الحرب الأولى في عام 2004م تحط أوزارها وتتكشف عن جرائم يندى لها جبين الإنسانية حتى دقت السلطة طبول الحرب الثانية لملاحقة فلول المجاهدين الذين لجأوا إلى الصحاري هربا من ظلم السلطة وجبروتها وفي منطقة الرزامات دارت رحى الحرب الثانية لتحاكي بوحشيتها طبائع المتوحشين من بني البشر.
ثم تلتها الحرب الثالثة ثم الرابعة وهكذا حرب إثر حرب كلما انتهت حرب جهزت السلطة نفسها من جديد لحرب أقسى وأشد عنفا وضراوة من سابقتها حتى انتهى بهم المطاف إلى عدوانهم الأخير على بلدنا والذي استمر لتسع سنوات ولا يزال شاركت فيه ما يقارب من عشرون دولة ارتكبت خلالها جرائم حرب مهولة وفظيعة هذا فقط في مجال الاستهداف العسكري أما بقية المجالات الأخرى فالكلام عنها يطول.

ومع كل هذا الإجرام وكل هذا التعنت وكل هذا العداء لم يستطيعوا معه القضاء على هذا المشروع ولا حتى محاصرته ومنع انتشاره وتوسعه بل على العكس كلما شنوا حربا ضده خرج منها أكثر قوة وأعز جانباً حتى صار اليوم قوة مؤثرة ليس على مستوى المنطقة فحسب بل على مستوى العالم خاصة بعد المواقف المشرفة من القضية الفلسطينية فغدت شعبيته تجوب العالم بأسره لأنهم رأوا فيه قوة تهين المستكبرين وتعز المستضعفين.

فيا ترى ما العوامل التي ساعدت هذا المشروع على الانتشار والاستمرارية رغم الحرب المستعرة ضده لأكثر من عشرين سنة؟

وللإجابة على هذا السؤال يمكن أن نعزوَ هذا النجاح إلى سببين هامين هما:

قوة تأثيره.
وحسن أثره.
أولا: قوة تأثيره

امتلك هذا المشروع قوة تأثير كبيرة وعالية ناتجة عن عدد من العوامل أهمها:

١- ارتباطه بالقرآن الكريم

مثل ارتباط هذا المشروع بالقرآن الكريم أهم عوامل استمراريته وصموده أمام التحديات والأخطار التي واجهته كما مثل عامل جذب مهماً جدا للآخرين والسبب في ذلك ما ذكره رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من مميزات القرآن الكريم عن غيره من المصادر في حديث رواه الإمام علي -عليه السلام- قال فيه: ((ألا إنها ستكون فتنة. فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحَكَم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل مَن تَرَكَهُ مِن جبَّار قَصَمَهُ الله ومن ابتغى الهدى مِن غيره أضله الله وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء ولا يَخْلَقُ على كثرة الرَّد ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم تنتهِ الجن إذ سمعته حتى قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إلى الرُّشْدِ} من قال به صَدَق، ومن عمل به أُجِر، ومن حَكَم به عَدَل ومَن دعا إليه فقد هَدَى إلى صراطٍ مستقيم).

وعن أهمية القرآن الكريم والالتزام به في مسألة جذب الناس إليه يقول الشهيد القائد رضوان الله عليه: (جاء الأسلوب في القرآن الكريم بطريقة أنه يأتي للإنسان من كل جهة، منطق بشكل مقنع، وترغيب, وترهيب، واستعطاف, بكل الوسائل؛ ولهذا نجح وانتشر الإسلام بشكل كبير في فترة قصيرة، مع أن الفلاسفة كانوا يغرقون مع بعضهم بعض، لا تلمس بأنها اتسعت فلسفة مُعيَّنة، متى ما اتسعت مثلاً أحياناً فلسفة مُعيَّنة فتكون على أساس أنها توافقت مع سياسة نظام مُعيَّن، حتى الآن في قراءة الفلسفة معظمها قراءة مقولات الفلاسفة: فلان قال كذا، وفلان قال كذا، حكايات، ليس هناك ما يمكن أن ينزل ويكون مقبولاً ويمشي، هذا يتفلسف، وذاك يتفلسف مِن هناك ونقض عليه ما عنده، وهكذا، بالطريقة هذه.
ومبادئه بشكل جذاب جداً؛ ليكون شاهداً على عظمة هذا الدِّين أمام الآخرين؛ فينجذبوا إليه، وتقوم الحجة على الآخرين به؛ لأن الكثير قد يقولون: مجرد نظرية، وأي نظرية لم يشهد لها الواقع في حياة الناس؛ لأن هذا هو المحك، المحك هو واقع الحياة، واقع الأمة، روحية الأمة، نفسية الأمة، أفرادها الذين يحملون هذه النظرية، يتجلى من خلالهم ماذا؟ مدى إيجابية هذه النظرية أو سلبيتها، بالنسبة للدِّين هذه القضية لم يغفلها، موضوع أنه لا بُد من دائرة تمثل قيم هذا الدِّين ويتجسد فيها هذا الدِّين، فتمثل بهذا شهادة على الناس بعظمة هذا الدِّين، فتقدِّم نموذجاً على أرقى مستوى.)
الأمريكية ممثلة بسفيرها في صنعاء أقسى ألوان الاستغلال وأشد أصناف الاستعباد حتى صيروا عباد الله خولا وماله دغلا وتحكموا بكل شاردة وواردة من أمور هذا الشعب فضاق الخناق بالمخلصين الأحرار من أبنائه وباتوا يبحثون عن مخرج يجدوه، ليجدوا بغيتهم في هذا المشروع العظيم فينطلقون فيه بكل حرية ليزدادوا وعيا وثقافة وثقة.

ولا ننسى التلميح إلى ما تلقاه المواطنون في المناطق الحاضنة للمشروع القرآني خلال الحروب السابقة وخاصة تلك التي تمركز فيها الجيش وأعوانه من ظلم واضطهاد ومعاملة قاسية للغاية فحوصر حملة الشعار وحرموا من كل أشكال الكسب المادي وفصل الموظفون منهم وأينما رفعت الصرخة توسع الحصار واشتد الخناق أكثر فلا يكاد يحصل المواطن على قوته الضروري إلا بمشقة بالغة وطرد الكثيرون واضطر من تبقى للهجرة إلى مناطق أخرى بحثا عن مأمن من جور السلطة وجبروتها كل هذا ساعد في دفع أبناء تلك المناطق إلى الانضواء تحت راية المشروع القرآني والعمل على طرد أولئك المستبدين من قراهم وعزلهم.

ثانيا: حسن أثره

١-شد الناس إلى الله

لقد كان توجه الناس قبل انطلاقة المشروع القرآني بعيدا عن الهدى فلا جهاد ولا إنفاق ولا أعمال صالحة فيها خدمة للأمة ولا استشعار للرقابة الإلهية، والسبب هو كما يقول الشهيد القائد رضوان الله عليه ( الحقيقة: إذا تأمل الإنسان في واقع الناس يجد أننا ضحية عقائد باطلة، وثقافة مغلوطة جاءتنا من خارج الثقلين: كتاب الله، وعترة رسوله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) هذا شيء. الشيء الآخر – وهو الأهم – أننا لم نثق بالله كما ينبغي، المسلمون يعيشون أزمة ثقة بالله، لماذا؟ أليس في القرآن الكريم ما يمكن أن يُعزز ثقتنا بالله سبحانه وتعالى؟ بلى. القرآن الكريم هو الذي قال الله عنه: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} قِلة معرفة بالله، انعدام ثقة بالله، هي التي جعلت المسلمين يتصرفون بعيداً عن الله سبحانه وتعالى فلم يهتدوا بهديه، لو وثقنا بالله كما ينبغي لانطلق الناس لا يخشون أحداً إلا الله، لو صدّقنا كما ينبغي وعد الله سبحانه وتعالى للمؤمنين، وعد الله لأوليائه، وعد الله لمن يكونون أنصاراً لدينه، ما وعدهم به من الخير، والفلاح، والنجاح، والسعادة، والعزة، والكرامة، والقوة في الدنيا، وما وعدهم به في الآخرة من رضوان، من جنات عدن، لو صدقنا بذلك كما ينبغي لما رغبنا في أحد، ولما رهبنا من أحد، لكانت كل رغبتنا في الله، وفيما عنده، وفي رضاه، وكل رهبتنا من الله، ومن وعيده، وغضبه، وعقابه.)

لقد استطاع اليهود والنصارى أن يقتلوا الروح الجهادية بين أوساط الأمة طيلة قرون من الزمن حتى أوصلوها إلى حالة رهيبة من الانبطاح والذلة فقدت معها كل المقومات الجهادية حتى على مستوى كلمة جهاد وحول هذا يقول الشهيد القائد رضوان الله عليه (هم اليهود الذين نسفوا من قاموس التخاطب الإسلامي للبلدان وللدول الإسلامية ألغوا استخدام كلمة (جهاد) واستخدموا (مناضلين وحركة مقاومة وانتفاضة) وأشياء من هذه، لم يعودوا يستخدمون كلمة: (جهاد) التي ركّز القرآن عليها وجعلها مصطلحاً إسلامياً قرآنياً له أثره في خلق مشاعر دينية، أنه جهاد في سبيل الله، فاستبدلت بكلمة (مقاومة، حركة المقاومة اللبنانية، المقاومة الفلسطينية، المناضلين العرب، المناضل، انتفاضة) ليس هناك استخدام كلمة: (جهاد)؛ لنعرف أن اليهود قد وصل الأمر بهم في سيطرتهم علينا إلى أن أصبحت ألسنتنا تحت تصرفهم، أصبحت أجهزتنا الإعلامية تحت تصرفهم.)

هذا ما كان من واقع الأمة قبل انطلاقة المشروع القرآني أما اليوم فراية الجهاد مرفوعة وثقافة الاستشهاد منتشرة وصرنا والحمد لله نسمع هذا المصطلح يتكرر على مسامعنا يوميا بل صار لمحور الجهاد والمقاومة دور كبير وبارز في حماية الأمة وجهاد عدوها والدفاع عنها وما يقدمه هذا المحور اليوم من مواقف مشرفة وعظيمة وخاصة شعبنا اليمني ضد العدوان الأمريكي الإسرائيلي على شعبنا الفلسطيني ما هو إلا من بركات هذا المشروع القرآني العظيم وحسن أثره في واقع النفوس وواقع الحياة لشعبنا وأمتنا.