تقرير

في خضم الثورة الزراعية التي تشهدها اليمن بمساراتها النوعية، وفي مشهد يجسد السعي الحثيث نحو كسر أغلال الارتهان للخارج، انبعثت زراعة الأرز من جديد في مديرية أسلم بمحافظة حجة كمحصول استراتيجي يعيد رسم خارطة الأمن الغذائي، فبعد عقود من الغياب الممنهج، اكتسحت المساحات الخضراء المغمورة بالمياه أكثر من 25 هكتاراً هذا العام، مدفوعة باهتمام شعبي بالغ ودعم مؤسسي مباشر من مكتب الزراعة والجمعيات التعاونية التي راهنت على تحويل “الغيل” المنسي إلى سلة غذاء وطنية.

وتكشف لغة الأرقام عن تحول نوعي في مسار الإنتاج لعام 2025م؛ فبينما لم تتجاوز إنتاجية العام الماضي 17 طناً، يقفز المحصول في هذا الموسم إلى عتبة 30 طناً وربما يتجاوزها ليصل إلى 50 طناً من الأرز الجاهز للتعبئة، في طفرة إنتاجية بلغت 40%. هذا النجاح جاء استثماراً ذكياً لخصوبة التربة ووفرة المياه السطحية التي جادت بها السماء خلال السنوات الخمس الأخيرة، ليتحول المزارع اليمني من مستهلك للأصناف المستوردة إلى منتج لأرز يتفوق بجودته ونقائه على ما سواه، منافساً في قيمته الغذائية ومذاقه الأصيل.

ويروي المزارعون بلسان الفخر كيف بدأت التجربة بمساحات رمزية، لتتحول اليوم إلى حقول شاسعة تضج بالحياة، حيث يؤكد مزارعو المنطقة أن الموسم الحالي هو “موسم خير وبركة” بامتياز، إذ تمكنت الفرق الميدانية بالتعاون مع جمعية أسلم من تغطية القيعان بتوفير الشتلات والإرشاد الزراعي، وصولاً إلى مرحلة التجفيف والتسويق، في عملية متكاملة تهدف إلى إحياء بذور “الأرز البلدي” العريقة ودمجها مع أصناف مستوردة عالية الجودة، ما خلق بيئة تنافسية أعادت الاعتبار للأرض والإنسان.

ومع ذلك، لا يزال هذا الطموح الزراعي يصطدم بعوائق تقنية تقف حائلاً دون النمو والتطور الإنتاجي الكامل، حيث تبرز الحاجة الملحة إلى آلات تقشير حديثة قادرة على استيعاب الكميات الضخمة والحفاظ على سلامة الثمرة كاملة، بدلاً من الأساليب البدائية التي تستهلك الجهد والوقت. هذا القصور التقني هو ما تبقى من مخلفات سياسات الإهمال التي تسعى الثورة الزراعية اليوم لتجاوزها، ليتحول كل “غيل” ماء إلى جبهة مواجهة اقتصادية، وكل حبة أرز إلى رسالة صمود تؤكد أن اليمن الذي كان يزرع الأرز قديماً، عاد اليوم ليصنع قراره من جوف أرضه، متجاوزاً رهانات التجويع التي تفرضها السوق العالمية باحتكاره وبالحصار الجائر.

إن عودة الأرز إلى “أسلم”، هي عودة قوية لمحصول سيادي يفتح آفاقاً واعدة لتوسيع المساحات المزروعة في مختلف القيعان المغمورة، مجسداً نموذجاً حياً للتعاون بين المجتمع والجهات الرسمية في سبيل تحقيق الاكتفاء الذاتي وتحصين الجبهة الداخلية بمنتج وطني خالص يحمل طعم الأرض وعرق المقاومة.

ثورة زراعية تكسر قيود التبعية

في السياق، كشف علي محمد الجرو، مدير مكتب الزراعة بالمديرية، عن تحول جذري في خارطة الإنتاج بعد عقود من التغييب المتعمد لهذا المحصول، مؤكداً أن الجهود المكثفة والبحوث الحصيفة تمكنت هذا العام من توسيع الرقعة الزراعية لتتجاوز 25 هكتاراً، في قفزة إنتاجية بلغت 40% مقارنة بالعام الماضي.

وأضاف:” تتجلى ملامح هذا النجاح في تحول المساحات المغمورة بالمياه إلى واحات خضراء اكتست بأصناف من البذور المحلية العريقة وأخرى مستوردة ذات جودة عالية، حيث تضافرت جهود مكتب الزراعة والجمعية التعاونية والاتحاد الزراعي لإسناد المزارعين بالمدخلات والشتلات والإرشاد الميداني، وهو ما أثمر إنتاجية قُدرت بنحو 30 طناً لهذا الموسم، وسط توقعات بمضاعفة هذه الأرقام مئات المرات في حال توفرت التقنيات الحديثة للحصاد والتقشير والفرز”.

وأشار إلى أن خلفيات هذا الاندفاع الشعبي نحو زراعة الأرز تعود إلى وعي جمعي متنامٍ بضرورة التحرر من ارتهان الغذاء للخارج، مستفيدين من التغيرات المناخية التي رفعت منسوب المياه السطحية في السنوات الأخيرة، ما خلق بيئة مثالية تتراوح حرارتها بين 20 و35 درجة مئوية، وهي الظروف التي أعادت الروح لـ “الأرز البلدي” الذي كان قد اندثر بفعل سياسات الإهمال الممنهج التي مارستها الأنظمة السابقة تجاه القطاع الزراعي، لتأتي اليوم “وزارة الزراعة” و”مركز البحوث” لإعادة إحياء وتخزين هذه السلالات الأصيلة وتوطينها من جديد.

واسترسل قائلاً: “على الرغم من استمرار استخدام الأساليب البدائية في الحصاد، إلا أن الجدوى الاقتصادية بدأت تفرض منطقها على الأرض، إذ يتم تسويق المحصول عبر الجمعية بأسعار تنافسية تصل إلى 25 ألف ريال يمني للكيس الواحد (50 كيلو)، وهو ما عزز من صمود المزارع اليمني في وجه الأزمات المفتعلة، محولاً الأرض التي ظلت لسنوات “بوراً” إلى ميدان مواجهة مفتوح يبرهن من خلاله اليمنيون أن الاكتفاء الذاتي هو السلاح الأمضى في مواجهة آلة الحرب الصهيو-أمريكية التي تراهن على تجويع الشعوب لإخضاع قرارها السياسي”.

واختتم بالقول: “إن ما تشهده “أسلم” اليوم، هو فعل مقاوم يجسد “إرادة الاكتفاء”، حيث يتحول كل شتل لبذرة “البسمتي” أو “البلدي” إلى مسمار في نعش سياسة الاستيراد، في ظل سعي حثيث من الجهات المعنية لتذليل الصعاب وتوفير الآلات الحديثة التي ستنقل المديرية من مرحلة “التجارب الناجحة” إلى مرحلة “الإنتاج الكمي الواسع” الذي يغطي احتياجات السوق المحلية، ويقطع الطريق أمام المخططات الساعية لتركيع اليمن عبر رغيف الخبز وصحن الأرز”.