كلمة السيد القائد عبد الملك بدرالدين الحوثي بمناسبة يوم القدس العالمي 23 رمضان 1447هـ 12 مارس 2026م
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
قال الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” في القرآن الكريم:
{وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا}[الإسراء:4-8].
صَدَقَ اللهُ العَلِيُّ العَظِيم.
مناسبة يوم القدس العالمي في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك، هي مناسبةٌ ذات أهميَّةٍ كبيرةٍ، تتعلَّق بتذكير الأُمَّة الإسلامية بمسؤوليتها المقدَّسة والدينية تجاه قضية العصر الكبرى، في التَّصَدِّي للخطر اليهودي الصهيوني، الذي احتل فلسطين والقدس، ومناطق عربيةً أخرى، ويسعى لتدمير المسجد الأقصى، وإقامة [إسرائيل الكبرى]، بالاحتلال لبلدان المنطقة، والسيطرة عليها بشكلٍ كامل، ويستهدف الإسلام والمسلمين والمقدَّسات الإسلامية، فهي مناسبةٌ لاستنهاض الأُمَّة للقيام بواجباتها المقدَّسة؛ لِمَا يحميها من ذلك الخطر، وهي أيضاً مناسبةٌ تبقي القضية حيَّةً في وجدان الأُمَّة، من خلال التفاعل العملي معها بالمظاهرات، بالندوات، بالفعاليات، بتقديم الرؤى والحلول، بكل مساعي الاستنهاض للناس، والتذكير لهم بالمسؤولية، وكل وسائل إحياء هذه القضية، في مقابل ما يسعى له أعداء الإسلام والمسلمين وعملاؤهم، من تضييع لهذه القضية، وشطبها من دائرة الاهتمام في أوساط الأُمَّة، والرمي بها في سلة المهملات والمنسيات.
هذه المناسبة أعلنها الإمام الخميني “رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ”، ودعا إليها في إطار التبنِّي المبكِّر للقضية الفلسطينية، والموقف الإسلامي من العدو اليهودي الصهيوني، هذا التبنِّي المبكِّر في الثورة الإسلامية الذي كان منذ بدايتها، واستمر كذلك مع انتصارها، وأثبتت الجمهورية الإسلامية مصداقيتها أيضاً في الثبات على هذا الموقف، وترجمته عملياً، بدعم هذه القضية بكل أشكال الدعم، وهذا يدلُّ على توجهٍ صادقٍ منذ البداية، لا يمكن أن يتحقَّق إلَّا في القوى الحرة من أبناء هذه الأُمَّة، التي لا تخضع في توجهاتها وسياساتها لإملاءات أعداء الإسلام والمسلمين، فالتبنِّي الصادق لهذه القضية، هو من معايير السَّلامة من الهيمنة الأجنبية والخضوع لها.
وقد أثبتت الأحداث والوقائع على مدى كلِّ هذه العقود الزمنية، وصولاً إلى ما يجري في هذه المرحلة، أثبتت من هو الصادق، ومن هو الكاذب، في التبنِّي للقضية الفلسطينية، وتبنِّي الدعم لها، والمناصرة لها، وفي الموقف الواعي المسؤول ضد أعداء الإسلام والمسلمين، الذين يشكِّلون خطراً حقيقياً على هذه الأُمَّة الإسلامية بكلها، بل وعلى المجتمع البشري بشكلٍ عام، وبيَّنت الأحداث الحقائق للناس تجاه كل حملات التشكيك، التي كانت تشنُّها أبواق الصهيونية، تجاه الموقف الصادق للجمهورية الإسلامية في إيران، وأحرار الأُمَّة، حملات كانت تهدف دائماً:
- إلى إبعاد الأُمَّة عن الاستجابة لهذا الموقف والتفاعل الإيجابي معه.
- وتحاول أيضاً أن تسعى لتثبيط الأُمَّة في إطار اللاموقف، وفي الاتِّجاه لتضييع هذه القضية.
فالأحداث بيَّنت وجلَّت الحقائق.
فيما يتعلَّق باختيار هذا الزمن للمناسبة، الذي هو: الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك، فهو اختيارٌ موفَّقٌ من قِبَل الإمام الخميني “رحمةُ اللهِ عَلَيْهِ”، اختيارٌ له دلالةٌ مهمة، اختار أن تكون هذه المناسبة في شهر رمضان، ربيع القرآن، وشهر الصيام، وشهر التزود بالتقوى، وأن يكون في العشر الأواخر منه، وفي الجمعة الأخيرة منه، كل هذا مما يذكِّر بهذه القضية، ويذكِّر الأُمَّة بموقع هذه القضية من دينها، من التزاماتها الإيمانية والدينية، ويذكِّر بحقيقة المسؤولية في الموقف من العدو اليهودي الصهيوني، وأذرعه أذرع الشر الإجرامية: أمريكا وإسرائيل، يذكِّر هذه الأُمَّة بأنَّ هذا الموقف هو موقفٌ ديني، في إطار الالتزامات الإيمانية والأخلاقية والجهادية لهذه الأُمَّة، كما فرض الله عليها الصيام والصلاة… وسائر الفرائض الدينية، يأتي هذا الالتزام ضمن التزاماتها الدينية، والإخلال به؛ إخلالٌ وتفريطٌ في التزامٍ إيمانيٍ وديني، فهي مرتبطة بالمبادئ والقيم.
ولذلك من المهم أن نعي جيداً، أنَّ هذه القضية تعنينا جميعاً كمسلمين؛ بحكم انتمائنا للإسلام، سواءً في إطارها الفلسطيني، يعني: فيما يتعلَّق بما يحدث من مظلومية كبيرة جدًّا للشعب الفلسطيني، الذي هو جزءٌ من هذه الأُمَّة، وهنا مسؤولية إيمانية دينية، في دفع هذا الظلم عن هذا الشعب، الذي هو جزءٌ من هذه الأُمَّة، أو من حيث أنَّ فلسطين أيضاً من بلاد الإسلام، وفيها مقدَّسات إسلامية، من أهم المقدَّسات الإسلامية، وعلى رأسها: المسجد الأقصى الشريف، هذا بكله يحتِّم على هذه الأُمَّة أن يكون لها موقف؛ باعتبار الالتزامات الإيمانية والدينية، أو من حيث الخطر اليهودي الصهيوني على هذه الأُمَّة بكلها، فمع الظلم الكبير جدًّا الذي يمارسه العدو الصهيوني اليهودي ضد الشعب الفلسطيني، هو أيضاً يستهدف الأُمَّة بكلها، في إطار مشروعه الصهيوني، الرامي إلى احتلال هذه المنطقة بكلها، المستهدف للإسلام والمسلمين.
فالعدو اليهودي عدوٌ لدود لكلِّ هذه الأُمَّة، لكلِّ أبناء الإسلام، وعدوٌ صريح العداء، وواضح العداء، ومشروعه ومخططه الإجرامي الشيطاني، الذي يستهدف به شعوب هذه المنطقة بكلها، ويسعى إلى احتلال هذه المنطقة، والسيطرة عليها، وأن يجعل منها موقعاً يتمكَّن من خلاله على بسط نفوذه العالمي؛ ليُحَقِّق أهدافه في إطار المخطط الصهيوني، وهي أهداف معروفة ومذكورة، مذكورةٌ في الكتب، مذكورةٌ في الدراسات والأبحاث، معلنٌ عنها في مؤتمرات، وقضايا أكيدة، في إطار المعتقدات اليهودية الصهيونية، وشاطره معها أيضاً الاعتقاد والتَّحَرُّك والعمل الصهيونية، التي استقطبت الكثير جدًّا في العالم الغربي، وفي المقدِّمة: في أمريكا، حتَّى أصبحت ذات تحرُّك عالمي لتحقيق هذه الأهداف، تقوده أمريكا وإسرائيل، وتقدَّم له كل أشكال الدعم من الغرب، ويسعى إلى الاستقطاب حتَّى في الساحة العربية والإسلامية، فالقضية تعني الجميع.
عندما وجَّه الإمام الخميني “رحمةُ اللهِ عَلَيْهِ” نداءه إلى الأُمَّة الإسلامية لإحياء هذه المناسبة، لهدفٍ مقدَّسٍ وعظيم، فهو ناداها لما يعنيها جميعاً، لقضيةٍ تهمها جميعاً، هي في إطار مسؤوليتها الجماعية كأُمَّةٍ مسلمة، وليست قضيةً تخصُّ الطرف الإيراني، أو تخصُّ شعباً أو بلداً في هذه المنطقة.
بل إنَّ العرب بأنفسهم هم أكثر حاجةً إلى إحياء هذه المناسبة، والاستفادة منها، وإلى الاهتمام بهذه القضية، والخطر عليهم في المقدِّمة قبل غيرهم، فيما يتعلَّق باحتلال أوطانهم، وفي إخضاعهم، والسيطرة عليهم، وسومهم سوء العذاب، والاستعباد لهم، والقهر لهم، وخسارة الدنيا والآخرة.
ونحن في هذه المرحلة، التي تجلَّت فيها حقيقة أطماع العدو تجاه المنطقة، ومخططه لها، وهو في هذا التوقيت، وفي هذا الزمن، وفي هذه المرحلة، أكثر انكشافاً ووضوحاً وصراحةً من أيِّ وقتٍ مضى، الأهداف الصهيونية يتحدَّث عنها الأعداء الصهاينة في تصريحاتٍ رسمية معلنة، فيما يتعلَّق بمخططهم لإقامة [إسرائيل الكبرى]، وكذلك في مخططهم لما يسمُّونه بـ [تغيير الشرق الأوسط]، ولربما لا يمر يومٌ من الأيام، إلَّا ويأتي فيه الحديث عن موضوع [تغيير الشرق الأوسط]، [تغيير الشرق الأوسط]، يكرِّرون ذلك.
موقع القضية عند الأعداء هو من الأمور المهمة التي ينبغي أن نستوعبها كمسلمين، عندما نشاهد التَّحَرُّك الأمريكي العدواني ضد أُمَّتنا الإسلامية، الذي يشارك العدو اليهودي الصهيوني الإسرائيلي في كل جرائمه، ويقدِّم له الدعم المفتوح على المستوى العسكري، والسياسي، والمالي… وبكل أشكال الدعم، ويسعى بشكلٍ واضح- وفي هذه الآونة الأخيرة بشكلٍ متزايد- إلى إخضاع المنطقة له، يجب أن نعي جيِّداً على أنَّ الموقف الأمريكي ليس مجرَّد موقف سياسي، وفي إطار المواقف التكتيكية، القابلة للتغيير بالحسابات السياسية، والحسابات المصلحية المحدودة.
الموقف الأمريكي هو موقف صهيوني، يعني: في إطار التَّحَرُّك الصهيوني اليهودي ومن معه في العالم الغربي، وفي المقدِّمة: أمريكا، لتحقيق أهداف هي بالنسبة لهم في إطار معتقداتهم الدينية، وهم يؤكِّدون على هذه المسألة، ولكنها ليست فقط في هذا المستوى: في مستوى معتقدات دينية أساسية؛ بل معتقدات دينية، تتعلَّق بمسألة ذات أهمية لهم في إطار نزعتهم العدوانية والاستعمارية والطامعة، يعني: ليست مجرَّد مسألة دين يتقرَّبون به كقربة دينية؛ بل لأنه يلبِّي لهم أطماعهم الكبرى في السيطرة على هذه المنطقة، في موقعها المهم على المستوى العالمي، بكل ما فيها من خيرات وثروات، ويلبِّي لهم طموحهم في السيطرة السياسية الكاملة على العالم، سواءً بالنسبة لليهود فيما يتعلَّق بِمَلِكِهم، الذي يتحدَّثون عنه أنَّه قادم ليحكم العالم من خلالهم، وأنهم من خلال السيطرة الصهيونية سيتمكنون من الاستغلال هذه المنطقة بكلها، في موقعها، في ثرواتها، بكل ما فيها من مميزات ذات أهمية كبرى، ويحكمون العالم من خلالها، أو في نظرائهم وأعوانهم وشركائهم من المجتمعات الغربية، وفي المقدِّمة: أمريكا، الذين لديهم في النهاية، في النتيجة فكرة أخرى، معتقد: أنَّ المسيح سيعود بناءً على ذلك بعد أن يتمكن اليهود من إقامة [إسرائيل الكبرى]، والسيطرة الكاملة على هذه المنطقة، ثم في إطاره سيتمكنون من السيطرة على هذا العالم، وسيؤمن- في تصورهم- اليهود به، ثم يقيمون دولةً مشتركةً تحكم العالم لألف عام.
فإذاً هناك رؤية بالنسبة لهم تتعلَّق بمعتقدات دينية، تلبِّي لهم أطماعاً مادية، أطماعاً سياسية، رغبات وأهواء كبيرة جدًّا، هي كل ما يحكم وجدانهم، هي النفسية الغربية، والنفسية المنحرفة في التَّوَجُّه اليهودي والنصراني، التي انحرفت عن خط الأنبياء، واتَّجهت في اتِّجاهٍ آخر: اتجاه الأطماع، والمفاسد، والأهواء، والرغبات، وفي إطار هذا الحلم في السيطرة على العالم بكله، وهم في إطار هذه الرؤية نفسها، يعتبرون ويصرِّحون- يعني: هناك نصوص كثيرة جدًّا لديهم تتعلَّق بهذا الموضوع- أنَّه في سبيل تحقيق هذه الأهداف، لابدَّ من القضاء على المسلمين وإزالتهم، وهذه نقطة محورية عندهم: أنَّه لابدَّ من القضاء على المسلمين في هذه المنطقة، والتَّخَلُّص منهم؛ لكي يتحقَّق لهم هذا الطموح، الذي هو بالنسبة لهم معتقد كبير، يلبِّي لهم رغباتهم وأهوائهم.
ولذلك اهتمامهم بهذه القضية كبير جدًّا، يعني: عندما نلحظ- مثلاً- ما يعطونها من اهتمام سياسي، من اهتمام إعلامي، من اهتمام تثقيفي، من اهتمام في مخططاتهم التي يبنون عليها السياسات والمواقف بناءً على ذلك، بناءً على ذلك، حتَّى أنَّ الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض لابدَّ أن يكون له من القساوسة الصهاينة، الذين لديهم التَّوَجُّه الصهيوني، مستشارين أساسيين في السياسات المتعلِّقة بما يسمُّونه بـ [منطقة الشرق الأوسط]، يركِّزون على هذه المسألة، فلديهم اهتمام كبير جدًّا بالقضية من حيث: الاهتمام العسكري، الاهتمام السياسي، الاهتمام الإعلامي، الاهتمام التثقيفي، الاهتمام الاقتصادي، بناء الخطط والمواقف والسياسات على أساس ذلك.
في المقابل، نحن كمسلمين، وفي المقدِّمة: العرب داخل الأُمَّة الإسلامية، والذين نحن في حالة استهداف من تلك الخطة، استهداف في كل شيء: في حياتنا، في أوطاننا، في ثرواتنا، في وجودنا كأُمَّةٍ مستقلةٍ حُرَّةٍ، تتحرك في هذه الحياة بناءً على هويتها الإسلامية، كل الاعتبارات الموجودة، التي تعطي هذه القضية أهميَّةً قصوى، هناك مفارقة عجيبة في مستوى الاهتمام بهذه القضية؛ لأن هناك عمى حتَّى في تقييم موقف العدو، ونظرة العدو، ومنطلقات العدو، ماذا يريد؟ وعلى أيِّ أساس؟ وما هي منطلقاته؟ ولذلك يتعاملون- مثلاً- مع الأمريكي، وكأن الأمريكي صاحب موقف سياسي تكتيكي، قابل للتغيير، يمكن إقناعه بشيءٍ من الحوار، وأنَّ هذه القضايا قابلة للأخذ والرد والمساومات، ويمكن فيها الحلول الجزئية، أنصاف الحلول، وأرباع الحلول… وغير ذلك.
وهذه إشكالية كبرى جدًّا في واقع المسلمين، وخلل رهيب جدًّا، وصل بهم الحال إلى أنَّهم في بداية الأمر ماذا فعلوا على المستوى الرسمي، بالذات العرب؟ ارتبطوا بالبريطاني نفسه، البريطاني الذي كانت مهمته في البداية- في بداية الأمر- أن يرعى هو التمكين لليهود الصهاينة بالتوافد إلى فلسطين، ثم التنظيم لهم بشكل عصابات، وتمكينهم من الاحتلال في إطار احتلاله، يعني: أتى البريطاني ليحتل فلسطين ومناطق أخرى عربية وإسلامية، ثم عمل على رعاية التوافد اليهودي إلى فلسطين المحتلة، وقام بخدمة اليهودية الصهيونية في تمكينهم، وبنائهم بشكل عصابات، في ظل حمايته، وتمكينه، ورعايته الكاملة، واستمر في تمكينهم وبنائهم، حتَّى يصلوا إلى المستوى الذي يتمكنون فيه من القيام بالمهمة عندما ينسحب من فلسطين، في الوقت نفسه كان العرب يلتجئون إليه لإيقاف هذا الخطر، لحلِّ هذه المشكلة، ويثقون به، يعني: يتعاملون مع البريطاني، وهو جزءٌ من المعتقد الصهيوني، والحركة الصهيونية، يتعاملون معه بثقة؛ من أجل أن يوقف الخطر اليهودي الصهيوني، وأن يعترف بحقوق الشعب الفلسطيني والعربي، وأن يوقف ذلك الخطر والشر على هذه الأُمَّة، ويتعاملون معه بثقة، وحسن نية، وبشكل عجيب جدًّا! فيما كان هو يخادعهم، ويستغبيهم جدًّا، وفعلاً تصرفهم هو تصرف غباء رهيب، غباء فظيع، غباء فاحش، إلى أنهى مستوى! ولعب دوراً في تخديرهم، وفي العمل على الحيلولة دون أن يكون هناك تحرُّك جاد وصادق وواعٍ للقضاء على ذلك الخطر في بدايته، في الوقت الذي لا يزال اليهود مجرَّد عصابات صغيرة صهيونية، تتشكَّل لتقوم بارتكاب جرائم ضد القرى الفلسطينية، وتسعى لمهاجمة القرى الفلسطينية، وإقامة مستوطنات على الأراضي التي تغتصبها هنا أو هناك في البداية، ونجح البريطاني في تخدير كل العرب، في حالة بقائهم بدون موقفٍ جاد ولا صادق، لمواجهة ذلك الخطر في بدايته.
واستمر العرب في ارتباطهم بالموقف البريطاني، والسعي لدى البريطاني أن يحل لهم هذه المشكلة، أن يوقف عنهم هذا الخطر، أن يقدِّم حلاً مناسباً لمصلحة جميع الأطراف، حتَّى أتى الدور الأمريكي، عندما أصبح الدور الأمريكي هو القائم، حامل الراية الصهيونية في الغرب الكافر؛ بحكم نفوذ أمريكا العالمي، ونهوضها كقوَّة دولية، ذات نفوذ واسع، وقوَّة عسكرية كبيرة، وإمكانات اقتصادية، تزعَّمت فيها المجتمع الغربي بشكلٍ عام، ثم قامت أمريكا بالدور، وقامت به كشريكة، شريكة في المعتقد الصهيوني، في التَّوَجُّهات الصهيونية، في المخطط نفسه، في السعي لتحقيقه، في الإيمان به، فماذا فعل العرب؟ اتَّجهوا إليها بعد بريطانيا اتجاهاً كلياً، وبنفس المسار الذي كان مع بريطانيا، أمريكا تعمل بكل جهد، ليل نهار، وتقدِّم كل الدعم، وكل الإمكانات لتنفيذ المخطط الصهيوني، للوصول به في- نهاية المطاف- إلى تحقيق الأهداف الكبرى الكاملة، في السيطرة على هذه المنطقة بشكلٍ عام.
ثم العرب يصرُّون على أن يتعاملوا مع الموقف الأمريكي كما لو كان موقفاً محايداً، ونزيهاً، ويحترم هذه الأُمَّة، ويرعى لها حقوقها، إلى درجة أنهم في المراحل الماضية كانوا يسمُّون أمريكا بـ [راعية السَّلام]! بهذا الاسم، وهذا تصرفٌ غريبٌ جدًّا، ضلالٌ مبين بكل ما تعنيه الكلمة، وغباءٌ رهيب، وتيه، تيه رهيب للغاية! والأمريكي مرتاح بذلك، والإسرائيلي نفسه مرتاح بذلك؛ لأنه نجح من خلال ذلك في تخدير هذه الأُمَّة، وتحقيق نجاحات مستمرَّة للعدو الإسرائيلي، في بناء واقعه ليكون أكثر قوَّة، مرحلةً بعد مرحلة، عاماً بعد عام، عقداً بعد عقد من العقود الزمنية، يعني: الفوارق ما بين كل عشر سنوات فوارق كبيرة جدًّا في بنائهم للكيان الإسرائيلي، في قوَّته العسكرية، وقدراته الاقتصادية… وغير ذلك.
ثم في تدجين هذه الأُمَّة له، عمل مستمر، عمل بالحرب الشيطانية، المفسدة، المضلَّة، التي تزيد هذه الأُمَّة تيهاً، وضياعاً، وغباءً، وجهالاً، وتستهدفها في قيمها وأخلاقها، بما يدجِّنها أكثر، ويجعلها قابلة للسحق والتلاشي بشكلٍ كامل تجاه ذلك الخطر اليهودي.
مسار التراجع والمساومات استمر في الواقع العربي؛ لأن منظورهم للقضية منظور خاطئ وأعمى؛ ولذلك كانوا يتراجعون من مبادرة إلى أخرى، من خطوات إلى أخرى، من مواقف إلى أخرى، مواقف سياسية ودبلوماسية كلها حالات تراجع، إلى أن أعلنوا عن التطبيع، والتطبيع يعني: التسليم للعدو الإسرائيلي في سيادة المنطقة، وأن يكونوا في إطاره أعواناً له، هذا حقيقة الأمر، مع أنَّه ليس لهم نجاح حتَّى في ذلك، لن يكون ذلك منجياً لهم.
العدو يسعى بكل وضوح إلى تطويع الأنظمة والشعوب؛ حتَّى تكون خادمة للعدو الإسرائيلي، تسعى في كل مجالاتها، وبكل اهتمامها، وبكل إمكاناتها، إلى تنفيذ مخططاته وأجندته ضدها، التي تزيده نجاحاً وتمكيناً في المنطقة.
ولهذا ندرك أنَّ أحوج ما تحتاج إليه الأُمَّة في البداية، هو الرؤية الصحيحة:
- تجاه القضية، في حقيقتها، في موقعها عند الأعداء، في منطلقات الأعداء فيها، في أهدافهم.
- وكذلك تجاه ما يعني هذه الأُمَّة بنفسها، هذه الأُمَّة، ما تعني لها هذه القضية، ما تشكِّله من أهمية، ما يمكن أن يتركه تفريط الأُمَّة بها من نتائج كبيرة على واقعها بكله.
ولهذا لابدَّ من العودة إلى القرآن الكريم، كتاب الله ونوره لعباده، جرَّب العرب رسمياً، ومعهم الكثير من النخب، التفكير بطريقة أخرى، التفكير من خلال رؤى اُخْتُرِقوا بها، والبعض منها أيضاً تعود إلى حالة جهل: جهل بالسنن، جهل بالعدو، جهل بالحقائق، انخداع للعدو بكل ما تعنيه الكلمة، كل تلك الرؤى قد جُرِّبت كثيراً، واتَّضح أنَّها لا تفيد الأُمَّة بشيء.
حينما نعود إلى القرآن الكريم، الذي هو كتاب هداية، قال الله عنه: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[الإسراء:9]، وكتاب يهدي، يهدي الأُمَّة بالأولى في قضاياها الكبرى، فما بالك بغيرها! هو كتاب هداية شاملة، لكل شؤون الحياة.
عندما نعود إلى القرآن الكريم، نجد أنَّ القرآن الكريم أعطى مساحةً واسعةً للحديث عن أعداء المسلمين، وبالذات الأعداء الرئيسيين الأشد عداوةً، والأكثر خطورةً على هذه الأُمَّة، بل ركَّز على القضية نفسها، القضية فيما يتعلَّق بالقدس، ودوره المحوري في طبيعة هذا الصراع مع العدو الإسرائيلي، وكيف سيكون عنواناً بارزاً عن المسجد الأقصى نفسه، المسجد الأقصى نفسه كعنوان بارز ومهم في طبيعة هذا الصراع مع العدو الإسرائيلي.
تحدَّث القرآن الكريم عن العلو الإسرائيلي والإفساد في الأرض، وفي نفس الوقت عن عاقبته المحتومة في الزوال، وقدَّم تقييماً دقيقاً للأعداء.
في القرآن الكريم، نجد التأكيد على أنَّهم أعداء أشد عداءً لهذه الأُمَّة من غيرهم، ويجب أن ننظر إليهم هذه النظرة: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}[المائدة:82]، في المرتبة الثانية، في المرتبة الأولى (اليهود) بين كل الناس، يعني: عندما نبحث في كل المجتمعات البشرية، في كلِّ أنحاء الأرض، بين كل الشعوب والأمم، من هو الأشد عداوة للذين آمنوا؟ سنجد من خلال الدلائل الواضحة، والشواهد البيِّنة، والوقائع والأحداث، وكل الشواهد بأنواعها، يعني: عندما تبحث ما لدى الأمم الأخرى والشعوب الأخرى في فكرها، في معتقداتها، في ثقافاتها، في خططها، في سياساتها، في توجهاتها، في ولاءاتها، في عداواتها؛ من بين كل ذلك سنجد– فعلاً نجد، يعني: هناك مصاديق في الواقع تدل على هذه الحقيقة القرآنية- أنَّ الأشد عداوةً هم اليهود، العدو الرئيسي (رقم واحد)، فلماذا يصرُّ الكثير من أبناء هذه الأُمَّة على التعامي عن هذه الحقيقة، بل والترويج لهم على أنَّه من الممكن أن يتحوَّلوا إلى أصدقاء، إلى أصدقاء، وأن تكون العلاقة بهم كأصدقاء، وأنَّه يمكن التعايش معهم؟!
هذا على مستوى عداوتهم، ولكن مع ذلك أنهم أسوأ الناس، أكثر الناس شرّاً، وضلالاً، وفساداً، وباطلاً، وإجراماً، يعني: فيما هم أشد عداوة، هم أسوأ البشر فيما هم عليه من ضلال، وسوء، وحقد، وإجرام، وطمع، كل عناصر الشر اجتمعت فيهم بأسوأ ما يمكن أن يتخيَّله الإنسان، فلو نظرنا في كل المجتمعات البشرية، من هو الأفظع إجراماً؟ سنجده هم، سنجد الأكثر إجراماً هم، لو أتينا من هو الأكثر ضلالاً؟ هم الأكثر ضلالاً، الذي يسعى في الأرض فساداً.
ولهذا قدَّم لنا القرآن الكريم صورةً متكاملةً عنهم، أنهم مع أنهم الأشد عداوة: {وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ}[النساء:44]، {إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}[آل عمران:100]، {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا}[المائدة:64]، وفساد شامل في كلِّ المجالات، يعني: هم عناصر إفساد، تسعى لتفسد في كلِّ مجال، وتسعى لإفساد المجتمعات البشرية، ولكن استهدافهم بشكل كبير لهذه الأُمَّة؛ للتخلُّص منها، ولأن اتِّجاههم للسيطرة على أوطانها، وثرواتها، وموقعها، وأيضاً هم يعتبرونها هي العدو الألد فيما لو استفاقت إلى إسلامها، إلى مسؤولياتها المقدَّسة في هذه الحياة، لتكون أُمَّة الخير، والأُمَّة التي تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتتصدَّى للفساد والطغيان في العالم، القرآن قدَّم تقييماً كاملاً لهم.
في نفس الوقت بيَّن الله لنا في القرآن، أنَّ الحالة التي تصل فيها الأُمَّة إلى أن يتمكن أولئك- بالرغم من سوئهم، وشرهم، وطغيانهم، وفسادهم- أن يتمكنوا من إذلال هذه الأُمَّة؛ فهذا لن يكون إلَّا بتفريط رهيب جدًّا من هذه الأُمَّة في مبادئها، في قيمها، في أخلاقها، في التزاماتها الإيمانية والدينية، يصل بها إلى أن تكون في حالة مؤاخذة من الله، حالة مؤاخذة من الله؛ وذلك لأن الله قد ضرب على أولئك اليهود الذِّلَّة والمسكنة، وباءوا بغضبٍ من الله، فأن يتمكَّنوا- وهم الذين ضرب الله عليهم الذِّلَّة في كلِّ زمانٍ ومكان، منذ أن ضربها عليهم- أن يتمكَّنوا من إذلال هذه الأُمَّة؛ فهذه حالة خطيرة جدًّا، تستدعي من الأُمَّة لفتة نظرٍ جادَّة إلى واقعها هي؛ لتصحيح واقعها الداخلي، لتعود إلى القرآن الكريم، لتعود إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، لتتوب إلى الله توبةً نصوحاً، لتصلح واقعها؛ حتَّى لا تبقى في حال مؤاخذة من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
الله قال في القرآن الكريم: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ}[آل عمران:112]، وهو يتحدَّث عن بني إسرائيل، {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}[آل عمران:112]، فأن تتحوَّل هذه الأُمَّة- في معظم شعوبها وحكوماتها- إلى أُمَّةٍ ذليلة، في مقابل أولئك الذين ضرب الله عليهم الذِّلَّة، فكانت أذلَّ منهم، وأن تكون تحت حالة الرحمة منهم، وهم الذين لا رحمة لديهم، وأن تكون في حالة مسكنةٍ لهم، هذه حالة خطيرة، حالة مؤاخذة، هذا لوحده يكفي في دفع هذه الأُمَّة لأن تراجع واقعها، وتصحِّح وضعيتها، وترجع إلى الله رجوعاً صادقاً عملياً.
القرآن الكريم أيضاً حسم مسألة الخيارات، أيٌّ منها يمكن أن يكون خياراً مفيداً للأُمَّة في نتائجه، وبشكلٍ يقيني، ومؤكَّد، يقي الأُمَّة من أن تخوض غمار التجربة الفاشلة في قضية خطيرة للغاية عليها، بكل ما يترتب على ذلك من مخاطر رهيبة جدًّا، يعني: حتَّى لا تجازف الأُمَّة بخيارات فاشلة، ساقطة، باطلة، تفيد أعداءها، ولا تجديها شيئاً.
فخيار الولاء: الولاء لليهود، والولاء لأمريكا وإسرائيل، وهو خيارٌ مع الاسترضاء تعتمده كثيرٌ من الأنظمة والحكومات، ومعها كثيرٌ من النخب، وتتَّجه تبعاً لذلك كثيرٌ من الشعب؛ خيارٌ باطل:
- أولاً: هو يشكِّل وزراً كبيراً، وارتداداً حقيقياً عن مبادئ من أهمِّ مبادئ الإسلام، وعن قيم من أعظم قيم الإسلام.
- ومخالفة صريحة لتعليمات الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، تسبِّب سخط الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” وغضبه، وتستدعي التسليط منه على الناس، يعني: حالة خطيرة جدًّا، حذَّر منها الله في القرآن الكريم بشدَّة، إلى درجة أن يقول: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا}[النساء:144]، قضية رهيبة جدًّا.
- وهي اتِّجاه النفاق، الذي أكَّد عليه القرآن الكريم أنَّه يشكِّل خطورةً وضياعاً للأُمَّة.
هذا الاتِّجاه أكَّد الله في القرآن الكريم، وهو الذي يعلم السرَّ في السماوات والأرض، وهو العليم بأعدائنا، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ}[النساء:45]، العليم بهم حتَّى في أنفسهم، في تفكيرهم، في توجهاتهم، وأيضاً الله عالم الغيب والشهادة، وعالمٌ بمسيرة هذه الحياة في كل أحوالها، وهو أيضاً مدبِّر شؤون السماوات والأرض، ليس متفرِّجاً على واقع الناس، ولا يتَّخذ أي إجراء ولا تدبير.
ولهذا حينما قال الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” في القرآن الكريم لمن يحبُّونهم: {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ}[آل عمران:119]، هو حسم هذه المسألة، حتَّى المحبَّة لهم، يعني: حتَّى لو تحوَّل الولاء لهم إلى محبَّة عاطفية وجدانية، لن تنفع بشيء، لن تشفع عند أولئك؛ حساباتهم، اهتماماتهم ثانية، يسعون لتحقيق أهدافهم، وسيسحقون حتَّى الذين كانوا محبِّين لهم، وبناءً على ذلك كانوا مسالمين لهم، متعاونين معهم، موالين لهم، يقدِّمون لهم كل أشكال الدعم، في المرحلة التي يستغنون فيها عن ذلك، وسيستغنون، سيصلون إلى تلك المرحلة، ويرون أنًّ مصلحتهم هي في الاستحواذ على كلِّ شيء؛ حينها هم طامعون، حاقدون، سيئون، سيفعلون أي شيء دون تردُّد.
خيارات المعاهدات، والاتِّفاقات، والسَّلام، والتعايش بناءً على ذلك، الله قال عنهم: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}[البقرة:100]، وأكَّد على هذه الحقيقة أنها الحقيقة مستمرَّة دائمة، {أَوَكُلَّمَا}، {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}[البقرة:100]، لا أمل فيهم أبداً.
في الخيارات أيضاً، في خيار المساومات، وأنصاف الحلول، {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا}[النساء:53]، وهذا واضح فيما يفعلونه تجاه السلطة الفلسطينية، والاتِّفاقات والمواثيق التي بينهم وبينها، وما يفعلونه في الضِّفَّة الغربية.
بينما خيار الالتجاء إلى الله، والاستعانة بالله، والتَّوَلِّي لله، هو الخيار الصحيح، التَّوَلِّي لله الذي ينتج عنه تحركٌ على أساس هدى الله وتعليماته، تحرُّك واسع، شامل، وفق هدى الله وتعليماته، هو الخيار الذي نتيجته الغلبة: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}[المائدة:56].
الله بيَّن أيضاً آفاق ونتائج هذا الصراع في نهايته، ومن ذلك: حتمية زوال أولئك الأعداء، في قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا}[الإسراء:7]، بل أكثر من ذلك، حينما قال: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا}[الإسراء:8]؛ ليجعل من هذه سنَّة ثابتة، ووعداً مؤكَّداً، أنهم كلما عادوا- يعني: اليهود الصهاينة- كلما عادوا إلى علوِّهم، وعتوِّهم، وإفسادهم في الأرض، وبغيهم، وطغيانهم، وإجرامهم؛ سيعود الله في التسليط عليهم، في إسقاطهم، في أن يبطل ما هم عليه من تمكين، ومن علو وعتو، وأن يسلِّط عليهم من عباده من يضربهم الضربة القاضية.
بل كذلك قال عنهم: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ}[الأعراف:167]، وهذا كذلك من الحقائق المؤكَّدة في كتاب الله، والتي يفترض أن تكون حافزاً مشجِّعاً، وبشكلٍ كبير لهذه الأُمَّة، في أن تلتجأ إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وتتحرَّك في إطار تعليماته، وتثق بوعده ونصره، وتأخذ بأسباب القوَّة، وأسباب النصر: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}[الأنفال:60].
كذلك في طبيعة الصراع معهم، ومجالاته، ليس مجرَّد صراعٍ عسكري، هم يتحرَّكون بشكلٍ واسع لإضلال الأُمَّة على المستوى الثقافي، والفكري، والسياسي، والإعلامي، كل مجال هو ميدان صراع ساخن معهم، وواجب الأُمَّة أن تتَّجه في كل مجال من المجالات على هذا الأساس: كميدان جهاد ومواجهة مع اليهود:
- في المجال الإعلامي:
أن يتحرَّك من يتحركون إعلامياً كمجاهدين في سبيل الله، وفي ميدان من ميادين الجهاد، يواجهون فيه كل الهجمات الإعلامية اليهودية الصهيونية، ما كان منها مباشراً، وما كان عبر أبواقهم، وعملائهم، وأقلامهم، وأدواتهم، الذين يشغِّلونهم في هذا المجال؛ لأن مِمَّا يعتمد عليه اليهود الصهاينة: أنَّهم يضلُّون الآخرين، ثم يحوِّلونهم كأداة بأيديهم؛ لأن هذا يقرِّب لهم المسافات، ويحقِّق لهم النتائج، بدلاً من أن يحتاج اليهودي بنفسه أن يتخاطب مع كلَّ مسلم، إلى كل بقعة، إلى كل منطقة؛ سيشغِّل الآلاف من الإعلاميين العرب، المنتمين للإسلام، الآلاف من الخطباء، حتَّى باسم الخطاب الديني، حتَّى على منابر المساجد، حتَّى في القنوات والإذاعات، حتَّى في الصحف والمجلات، حتَّى في المدارس والجامعات، يشغِّل جيشاً من هذه الأُمَّة، يتحرَّكون في إطار ما يخدمه، سواءً ما يدجِّن الأُمَّة له بشكلٍ مباشر، أو ما يتيه بها عن الاتِّجاه الصحيح، عن الموقف الصحيح، الذي هدى الله إليه؛ باعتباره الذي يجدي الأُمَّة، يفيد الأُمَّة عند الله؛ فتحظى برضاه، وتحظى بنصره، ومعونته، وتأييده، وفي الواقع، في تحقيق النتائج على أرض الواقع.
- حتَّى على المستوى العسكري:
العدو الإسرائيلي بدلاً من أن يخوض معركة في كل بلد، في كل منطقة، في كل جبهة، يمكن أن يحرِّك الكثير من الأدوات حتَّى يستغني عنهم، ثم يقضي عليهم فيما بينهم، ثم في نهاية المطاف من تبقَّى، في نهاية المطاف يقضي عليه بشكلٍ مباشر.
اليهود يستخدمون هذا الأسلوب، يعني: هو جزءٌ من إضلالهم للأُمَّة، للناس؛ لأنهم يعملون كمضلِّين، كالشيطان تماماً؛ لأنهم في مقدِّمة أولياء الشيطان، وهم أقرب الناس ارتباطاً بالشيطان، وإخلاصاً له، ولديهم ارتباطات حتَّى في طقوس شيطانية، فطبيعة الصراع معهم في مجالاته كلها.
- في المجال السياسي كذلك:
واجب الأُمَّة أنَّ أنظارها مركِّزة بشكلٍ واضح، وتتَّجه لمعرفة كل ما يرتبط باليهود في المجال السياسي: من مفاهيم، من آراء، كذلك مِمَّا يَدُسُّونه للأُمَّة من رؤى، وتوجهات، وأفكار… وغير ذلك، ومن أنشطة، وأعمال، ومساعٍ ذات طابع سياسي.
ثم في كل المجالات؛ لأنهم ينشطون لاستهداف القيم، لنشر الفساد بكل أشكاله، يعملون بكل جهد إلى نشر الرذائل، والمفاسد، والجرائم اللاأخلاقية، وتفكيك الأسرة، ونشر المخدرات، والانحلال الأخلاقي، يحاولون أن ينشروا الفواحش في المجتمعات بأسوأ مستوى، وأن يدمِّروا قيم العفة، قيم الإسلام العظيمة جدًّا في مكارم الأخلاق وغيرها، وهكذا يجب أن تكون اتِّجاهات الأُمَّة لمواجهتهم في كل المجالات.
ونلاحظ مثلاً في هذه المرحلة هناك صحوة عالمية- يعني: حتَّى في أمريكا– تجاه التَّوَجُّه الصهيوني، وما يعمل له اليهود، وانتشرت مؤخراً الفضيحة الكبرى في وثائق [جيفري إبستين]، وهي سلسلة من فضائح، كم سبقها أيضاً من فضائح، وفضائح أيضاً أخرى غيرها، مثلاً: مختبرات للبكتيريا والفيروسات، للفيروسات المدمِّرة، الناشرة للأوبئة والأمراض، مختبرات في أمريكا تابعة لليهود والصهاينة، وواضح ما يريدونه من ورائها، هم يستهدفون المجتمعات في كل شيء.
- في الصِّحَّـــة:
كم لهم من أنشطة لتدمير صِحَّة المجتمعات؛ لنشر الأمراض والأوبئة، لاستهداف الناس في حياتهم، في صِحَّتهم، في كل مجالات الحياة يستهدفون المجتمعات، يعني: الميدان الصِّحِّيّ من أخطر وأهم الميادين في المواجهة معهم.
ولهذا يجب أن تُسْتَنْهض أُمَّتنا في كلِّ المجالات، لتتحرَّك وهي تعي أن كلَّ ميدان تحوَّل إلى ميدان مواجهة معهم، وأنَّ هذه هي طبيعة الصراع معهم، هم يشتغلون في كل مجال لاستهداف المجتمعات البشرية، وفي المقدِّمة: المسلمين.
الشيء المؤسف: أن تستمر حالة الجمود في الشعوب العربية، بالرغم من وجود صحوة بدأت حتَّى في المجتمعات الغربية.
هناك في واقع المسلمين- في واقع الحال– أزمة ثقة بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ أثَّرت عليهم في علاقتهم بالله، في علاقتهم بالقرآن الكريم، في علاقتهم برسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”؛ وبالتالي حُرِموا من هدى القرآن الكريم من نوره العظيم؛ فانطلى عليهم تلبيس اليهود إلى حدٍ رهيب جدًّا، حتَّى في النخب، ما بالك بعامة الناس!
ولأنَّا في شهر رمضان، وفي شهر القرآن، وفي شهر الصيام؛ هناك أهمية أن يعود المسلمون إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وأن يعزِّزوا ثقتهم به، وبكتابه ورسوله.
الأعداء يحاولون بكل وضوح إلى فرض معادلات الاستباحة والحرب المفتوحة، الاستباحة مسألة واضحة، يريدون أن يستهدفوا الشعوب، ثم يكون اللوم فقط على من يتصدَّى لعدوانهم، كما يحصل في لبنان، على مدى خمسة عشر شهراً لم يتوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان:
- قتل بشكلٍ يومي.
- غارات جوية.
- وكذلك نسف للبيوت.
- احتلال لمواقع جديدة في التلال والجبال والوديان.
- وتوغُّلات مستمرَّة، واختطافات.
كل أنواع الجرائم والاعتداءات.
ثم حينما قام حزب الله في هذه المرحلة بالرد، يتَّجه اللوم إليه من الحكومة اللبنانية نفسها، من بعض القوى اللبنانية التي لها اتِّجاه موالٍ لأعداء لبنان، وحتَّى على المستوى العربي، الاتِّجاه الذي يخدم الأعداء كله يلومهم، وهكذا يتَّجه اللوم إلى من يتَّجه للتَّصَدِّي للعدوان الإسرائيلي، هذا يعني ماذا؟ يعني: سعي لفرض معادلة الاستباحة، وأن يقبل بها أبناء هذه الأُمَّة في كلِّ بلد، ويكون اللوم على من لا يقبل بها، على من يرد، على من يتحرَّك ضد العدو في ما يعمله من اعتداءات، من استهداف لهذه الأُمَّة.
كذلك الحرب المفتوحة، يعني: الأمريكي والإسرائيلي يريدون أن يكون من المقبول به في منطقتنا، عند الشعوب والحكومات، أنَّ لهم أن يضربوا من يشاءون ويريدون في أي وقتٍ شاءوا، ولو كان هناك: اتِّفاقات، وضمانات، ومفاوضات، ولو لم يكن لهم أي مبرِّر منطقي، ولا حق في أن يفعلوا ذلك، لكن لأنهم قد أرادوا، ويكفيهم تبريرات سخيفة، زائفة، باطلة؛ ليوجِّهوا عدوانهم على هذا البلد أو ذاك، أو هذه القوَّة أو تلك، وهكذا يفعلون.
هذه المعادلات لا يجوز أبداً أن تقبل بها الأُمَّة؛ لأنها انتقاص حتَّى من الكرامة الإنسانية، ولأنها تشكِّل خطراً وجودياً على هذه الأُمَّة، والقبول بها باطل الباطل؛ قبولٌ بالظلم، قبولٌ بالطغيان، قبولٌ بالعدوان، وتخلٍّ عن الحقوق المشروعة، وعن القيم، وكذلك حتَّى عن مبادئ يعترف بها كل العالم، كل الشعوب والبلدان، كل الأعراف الإنسانية.
وهنا عندما نأتي إلى موضوع العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في إيران، والشعب الإيراني المسلم: عدوان ليس له ما يبرِّره إطلاقاً، عدوان ظالم، غاشم، إجرامي ووحشي، الهدف المعلن منه في تصريحات الأمريكيين والإسرائيليين، هو: [تغيير الشرق الأوسط]، وإزاحة الجمهورية الإسلامية كقوَّة إسلامية لها ثقلها الكبير في حماية هذه الأُمَّة، وتمثِّل عائقاً كبيراً جدًّا أمام العدو الإسرائيلي في السيطرة على هذه المنطقة، وتمثِّل عائقاً من أكبر العوائق أمام تنفيذ المؤامرة اليهودية الصهيونية، في إقامة ما يسمُّونه [إسرائيل الكبرى].
إذاً العدوان عليها هو استهداف لهذه المنطقة بكلها، لهذه الأُمَّة، لهذه الشعوب؛ لأن هدفهم التَّخَلُّص من ذلك العائق، الذي يعتبرونه عائقاً أمام هدف، هو: احتلال هذه المنطقة، السيطرة على هذه الشعوب، الإخضاع لهذه الأُمَّة، والاستعباد لها.
هنا: هذا هو الهدف، وهذا هو التوصيف الحقيقي للمعركة؛ ولذلك الموقف الصحيح، هو: أن تكون الأُمَّة ضد هذا العدوان الغاشم، الذي يستهدف الشعب الإيراني المسلم، والجمهورية الإسلامية في إيران، ويستهدف المنطقة بكلها، وشعوب هذه المنطقة.
الصمود الإيراني صمودٌ عظيم، والرد الإيراني قويٌّ، وفعَّال، ومدمِّر للأعداء، دمَّر القواعد الأمريكية في المنطقة، ونكَّل بها، وأيضاً ألحق أضراراً كبيرةً بالعدو الإسرائيلي، ونكَّل به، ولا يزال الرد قائماً.
هنا نموذج، نموذج مميَّز في الثبات، في الصمود، في الرد الفعَّال، في التماسك القوي، رأينا كذلك الصمود- ما قبل ذلك- والثبات العظيم للمجاهدين في غزَّة، للمجاهدين في لبنان، كذلك للشعب اليمني، ووجدنا هذا الصمود أيضاً للمجاهدين في العراق، هذا النموذج الثابت، الصامد، المتصدِّي للعدو، وهو في هذه الصورة في موقف الجمهورية الإسلامية، بقوَّتها، بإمكاناتها، بثقلها، بتأثيرها، نجده في مستوى عالٍ جدًّا، هو نموذج للمنطقة بكلها، يعني: هو نموذج ناجح، نموذج صحيح، نموذج إيجاب.
هكذا يجب أن تسعى الأُمَّة؛ لتكون بمستوى هذه القوَّة، في مواجهة العدو الإسرائيلي، ومواجهة العدو الأمريكي، يعني: لو أنَّ ما حصل على الجمهورية الإسلامية في إيران، من استهداف بذلك المستوى من الطغيان والإجرام والعدوان، بذلك المستوى من الاستهداف بوسائل الفتك والتدمير، حدث على بعض بلدان المنطقة، ضد بعض الأنظمة التي تتبنَّى رؤية تدجينية؛ لانهارت في عدَّة أيام، أو ساعات، أو ساعات، ولتلاشى وضعها بالكامل.
هذا النموذج يجب أن يلفت أنظار الأُمَّة، إلى أنَّه نموذج صحيح، نموذج إيجابي، نموذج جيِّد، نموذج يشرِّف هذه الأُمَّة، من الشرف لهذه الأُمَّة أن تكون دولها في مواجهة العدوان الأمريكي والإسرائيلي بهذا المستوى من الثبات، بهذا المستوى من القوَّة، بهذا المستوى من الفاعلية، بهذا المستوى من الصمود، بهذا المستوى من الإمكانات؛ لأنها كلها بُنِيَّت على رؤية صحيحة:
- على قاعدة: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}[الأنفال:60].
- على قاعدة: أنَّ أولئك أعداء.
- على قاعدة: أننا أُمَّة مستهدفة، يجب أن تُعِدّ العُدَّة؛ لتواجه أعدائها، والمخاطر التي تستهدفها.
ولذلك بدلاً من الموقف السلبي، الذي عليه الكثير من الأنظمة، والتي بلغت سلبية البعض منها، إلى محاولة التَّسَتُّر على القواعد الأمريكية عندها، وتبنِّي ما يحصل من رد عليها؛ باعتبار أنَّه يستهدف تلك البلدان والشعوب، يعني: هم يريدون أن يحموا تلك القواعد؛ لتعتدي من بلدانهم دون الرد عليها من الجمهورية الإسلامية في إيران، ولكن الجمهورية الإسلامية في إيران لم تقبل بذلك، ومن حقها ألَّا تقبل؛ لأنها لا تقبل بالاستباحة لها، لأن تلك القواعد في تلك البلدان؛ فلها أن تقتل وتُدَمِّر في إيران، ثم لا يرد الشعب الإيراني، والجمهورية الإسلامية، والحرس الثوري عليها.
هذا من الشيء المؤسف جدًّا: أن تتبنَّى بعض الأنظمة، وبعض الحكومات، أن تتبنى تقديم الغطاء للقواعد الأمريكية لتعتدي من أوطانها، وتحاول أن تحميها، ولا يزال الأمريكي والإسرائيلي يحاولون ما هو أكثر من ذلك: توريط تلك الأنظمة في أن تشارك في العدوان المباشر على الجمهورية الإسلامية، وعدم الاكتفاء بالدور الذي تقوم به سياسياً، وإعلامياً، ومالياً، لخدمة اليهود الصهاينة، وإسرائيل وأمريكا، وعدم الاكتفاء بما تقوم به كمترس، يحاول التَّلَقِّي للصواريخ وللطائرات المسيَّرة، ولكن دون جدوى.
هنا نرى ثمرة الإعداد، وفق الرؤية الثورية الجهادية التَّحَرُّرِيَّة للجمهورية الإسلامية في مواجهة العدوان، على قاعدة: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}[الأنفال:60]، ونرى بوضوح فشل الأعداء الأمريكيين والإسرائيليين الواضح في تحقيق أهدافهم، ونرى التماسك القوي للجمهورية الإسلامية، وللشعب الإيراني المسلم، ونرى أنَّ الأعداء الآن في مأزق واضح: يتكبَّدون خسائر كبيرة، ولا يتمكنون من تحقيق أهدافهم، وهم في حالة فشل واضح.
ولهذا ينبغي على البعض من الأنظمة، التي تُصِرُّ على الموقف السلبي، أن تعدِّل مواقفها، الكل يدركون في هذه المنطقة أنَّه لو نجح الأعداء في عدوانهم على الجمهورية الإسلامية في إيران، لاتَّجهوا لاستثمار ذلك وتوظيفه إلى أقصى حد في إخضاع بقيَّة شعوب هذه المنطقة.
كذلك فيما يتعلَّق بحزب الله، وما يقوم به في إطار حقِّه المشروع في التَّصَدِّي للعدوان الإسرائيلي على لبنان، واستهدافه اليومي على مدى خمسة عشر شهراً، لرجال حزب الله، وكوادر حزب الله، وللشعب اللبناني، وللبنان بشكلٍ عام، ولاختراق سيادته، والعبث بها بشكلٍ مستمر؛ بدلاً من اللوم لحزب الله، ينبغي أن يكون هناك تأييد لموقف حزب الله ومساندة.
ما تقوم به الفصائل الإسلامية المجاهدة في العراق أيضاً حقٌّ مشروع؛ لأن الأمريكي يستبيح العراق، يستبيح أجواءه بشكلٍ تام في العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران، ويستفيد من قواعده في العراق في إطار ذلك العدوان أيضاً، كما أنَّه يستهدف كذلك الحشد الشعبي في العراق، ويستهدف الشعب العراقي، والحالة الأمريكية بالنسبة للعراق لا تزال حالة احتلال واستباحة للسيادة، وانتهاك للسيادة: على المستوى الاقتصادي، على المستوى السياسي، على المستوى الأمني، على المستوى العسكري… على كل المستويات؛ ولذلك ما تقوم به الفصائل الإسلامية المجاهدة في العراق، هو حقٌّ مشروع، ومواقف عظيمة، يشاد بها، وتشكر عليها.
فيما يتعلَّق بموقفنا في اليمن: أكَّدنا منذ البداية أنَّنا نعتبر العدوان الأمريكي الإسرائيلي، الذي يستهدف الجمهورية الإسلامية في إيران، أنَّه يستهدف المنطقة بكلها، وأنَّه حربٌ على الإسلام والمسلمين؛ وبالتالي نعتبر أنفسنا معنيين في أن يكون لنا موقف مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وأنَّنا معها ضد أعداء الإسلام والمسلمين، ضد أعداء الأُمَّة، ضد أعدائنا جميعاً، الذين هم في حالة عدوان علينا جميعاً.
الإسرائيلي في حالة عدوان على العرب، عدوان مستمر، على المسلمين، عدوانه في فلسطين عدوان مستمر، لا يتوقف يوماً واحداً عن الانتهاك لحرمة المسجد الأقصى، عن الاعتداءات على الشعب الفلسطيني بكل أشكال الاعتداءات: قتل، وتشريد، وتدمير، ونسف، واختطافات، وتعذيب في السجون… وكل أشكال الظلم والعدوان، ثم يستبيح المنطقة بشكلٍ عام؛ ولهذا نحن نؤكِّد وقوفنا إلى جانب الشعب الإيراني المسلم، والجمهورية الإسلامية في إيران، وجهوزيتنا لكلِّ التطورات في هذه المعركة.
فيما يتعلَّق بالقضية الفلسطينية: ونحن في يوم القدس العالمي، هي القضية المركزية للأُمَّة؛ ولهذا:
- نحن نؤكِّد التزامنا الديني المبدئي الأخلاقي بنصرة الشعب الفلسطيني والمقدَّسات، وعلى رأسها: المسجد الأقصى الشريف.
- ونؤكِّد كذلك على موقفنا الديني في العداء للعدو اليهودي الصهيوني، وخططه العدوانية ضد أُمَّتنا الإسلامية، ومساعيه الشيطانية لإضلال وإفساد المجتمع البشري.
في هذا الأسبوع، أُقيم في صنعاء المؤتمر الدولي الرابع (فلسطين قضية الأُمَّة المركزية)، في سياق الاهتمام الرسمي والأكاديمي بالقضية، والإسهام بالدراسات والأبحاث والرؤى عن القضية، وهو جانبٌ من الاهتمام الكبير بالقضية في اليمن، وهو أيضاً نموذج مفيد، تستفيد منه بقية البلدان الإسلامية؛ ولهذا في هذا المقام أشكر الإخوة القائمين بهذا المؤتمر، والمشاركين فيه بمشاركاتهم القيِّمة والمفيدة، وأشيد بهذا الاهتمام الواعي والنموذجي.
شعبنا العزيز هو من أكبر الشعوب إحياءً ليوم القدس العالمي؛ وذلك انطلاقاً من هويته الإيمانية، وروحيته الجهادية، ويوم غد- إن شاء الله- سيحيي هذه المناسبة إحياءً عظيماً، كبيراً، مشرِّفاً، مليونياً.
أدعو شعبنا العزيز إلى الخروج يوم الغد -إن شاء الله- لإحياء يوم القدس العالمي، وأن يكون الحضور عظيماً ومشرِّفاً في العاصمة صنعاء وبقية المحافظات، وبحسب الترتيبات المعتادة فيما يتعلَّق بالزمان والمكان، فيما ترتبه اللجنة المعنية بذلك.
هذا جزءٌ من جهادنا، وجزءٌ من القرب العظيمة التي نتقرَّب بها إلى الله في هذه الأيام المباركة، في العشر الأواخر من شهر رمضان، في يومٍ مبارك هو من أعظم الأيام قربةً إلى الله، وفي مضاعفة الأجر والثواب، يستحق منَّا أن نخرج وأن نتفاعل.
أَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
