الرد اليمني على المغالطات السعودية: إعلان النفير العام وبدء مرحلة الردع لكسر الحصار
تقرير
في فجرٍ لم يكن كغيره، بدا المشهد وكأنه قدرٌ محتوم: طائرة مدنية إيرانية تقل أكثر من مئتي روح يمنية منهكة تحاول الهبوط في مطار صنعاء الدولي، بينما تشكيلات الطيران الحربي السعودي تخترق الأجواء في تحدٍّ سافرٍ لكل الأعراف والمواثيق، محاولة منع كسر الحصار، لكن شيئاً مختلفاً حدث هذه المرة. فقد تحول صبر اليمنيين الذي طال حتى ظُنَّ أنه استسلام، إلى زلزال من الإرادة هزّ أركان المعتدين. يؤكد الشعب اليمني أنه ماض لكسر الحصار مهما كانت النتائج ومهما كانت التبعات.
ما تلا ذلك كان بمثابة معركة بياناتٍ موازية، تكشفت فيها العقول قبل الأسلحة، فخرجت الرياض ببيانها المعهود، المثقل بالمغالطات ومنطق العنجهية الذي لا يريد أن يقرأ المتغيرات على الأرض، وكأن الزمن توقف عند العام 2015. بيانٌ حاول تصوير الضحية جلاداً، والمعتدي وصياً على السيادة، والمماطل حريصاً على السلام. لكن الرد اليمني لم يتأخر. فقد أصدرت وزارة الخارجية بياناً حاسما مزلزلا، لم يترك شاردة ولا واردة إلا فنّدها، دحض الأكاذيب، ورسم خارطة طريقٍ للردع، مذكّراً الرياض بأن بنك الأهداف اليمني واسع، وبأن عهد الوصاية قد ولى بلا رجعة.
وسط هذا المشهد المتوهج، تقف السعودية على أعتاب هزيمتها المحتومة، بعد أن استهلكت كل أوراقها من الحرب الصلبة إلى الحصار ، ومن الرهان على الزمن إلى التسويف السياسي.
لكي نفهم عمق اللحظة الراهنة، لا بد من العودة إلى نقطة الصفر، إلى ذلك الصباح المشؤوم من مارس 2015 حين أطلقت السعودية ومن معها من قوى العدوان ما سمّته “عاصفة الحزم”. يومها، وقف المطبلون والمزمرون في عواصم القرار العربي ليصدّقوا رواية المعتدي من أنها مجرد عملية عسكرية محدودة “لإعادة الشرعية”، وأنها لن تستغرق سوى أسابيع معدودة، فكان الوهم سيد الموقف، وكانت الرياض ترى في اليمن مجرد جغرافيا يمكن ابتلاعها، ومضيقاً استراتيجياً يمكن السيطرة عليه، وثروات يمكن نهبها، وشعباً أعزل يمكن إذلاله.
غير أن ما غاب عن ذهن صانع القرار السعودي يومها — وما زال يغيب حتى اليوم — هو طبيعة هذا الشعب الذي يحاربونه، فهم لم يقرأوا التاريخ جيداً، أو لعلهم قرأوه بعيون العميان فاليمن ليس “لقمة سائغة”، ولم يكن يوماً كذلك، إنه بلد الحكمة والإيمان، مهد العرب وقبلة الأحرار، البلد الذي قهر الغزاة على مر العصور، من الرومان والأحباش إلى العثمانيين والبريطانيين.
راهنت الرياض على تحالف هش من المرتزقة وأدوات الحرب، وغرّرت ببعض “شذاذ الآفاق” الذين آثروا التسوّل على السيادة، والخنوع على الكرامة، وباعوا بلدهم لمن يدفع أكثر وظنت أن القوة الجوية المدعومة بالتقنية الغربية قادرة على حسم المعركة في غضون أيام لكنها سرعان ما اصطدمت بجدار صلب من الإرادة، إرادة رجال آمنوا بأن ما قيمة حياتنا بدون حرية، وما قيمة سلامتنا ونحن مسلوبو القرار على مطاراتنا وموانئنا وثرواتنا؟، وهكذا بدأت فصول الهزيمة السعودية الأولى تتوالى، هزيمةً عسكرية ووجودية بكل المقاييس.
ما إن بدأت “عاصفة الحزم” حتى تكشفت هشاشة الفرضية التي قامت عليها، لقد أرادت الرياض تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية متداخلة ” تصفية القوى الوطنية الحرة التي ترفض الهيمنة، وإحكام السيطرة على السواحل اليمنية والممرات المائية الدولية وفي مقدمتها باب المندب، وضم المناطق الشرقية والجنوبية الغنية بالنفط والغاز إلى الخارطة السعودية تمهيداً لتكريس الهيمنة المطلقة على الإقليم”.
ولكن الذي حدث كان عكس ذلك تماماً فبدلاً من النصر الخاطف، تورطت المملكة في حرب استنزاف طويلة الأمد، استنزفت اقتصادها وشوهت سمعتها الدولية، وأجهضت أحلامها التنموية التي تباهت بها تحت يافطة “رؤية 2030”. لقد تحولت الرؤية إلى سراب، بعد أن أثبتت صواريخ القوات المسلحة اليمنية أنها قادرة على الوصول إلى قلب المنشآت النفطية في بقيق وخريص، وضرب عصب الاقتصاد السعودي في مقتل. تلك الضربات، التي هزت أركان الأسواق العالمية وأربكت الحسابات الجيوسياسية للبيت الأبيض، كانت بمثابة شهادة وفاة للاستراتيجية السعودية، وإعلاناً صريحاً بأن اليمن صار فاعلاً يمتلك مفاتيح الردع.
لقد منيت الرياض بهزيمة استراتيجية من العيار الثقيل، هزيمة لم تقتصر على الخسائر المادية في العتاد والأرواح، بل امتدت إلى ما هو أعمق: كشفت للعالم أجمع أن “المظلة الأمريكية” التي طالما راهنت عليها ليست سوى وهم سرعان ما يتبدد عند أول اختبار حقيقي، وعندما جاءت لحظة الحقيقة في البحر الأحمر، وعجزت البوارج الأمريكية عن حماية السفن الإسرائيلية من الضربات اليمنية، تأكد للقاصي والداني أن توازنات الردع في المنطقة قد تغيرت إلى الأبد.
بعد أن تعثرت الحرب الصلبة وتحولت إلى مستنقع غائر، حاولت الرياض أن تغير جلدها، متحولة من عدو غاشم يمارس القتل المباشر، إلى محتال ماكر يمارس الخنق البطيء تحت شعار “خفض التصعيد” و”خارطة الطريق”. وهنا تكمن الهزيمة الثانية، الهزيمة التي تجلت في رهانات عدة تبين أنها بيوت عنكبوت.
الرهان الأول: الزمن.. توهمت الرياض أن الزمن يعمل لصالحها، وأن “أنصار الله” حالة طارئة ستذوي أوراقها مع تعاقب الفصول. سعت إلى إنهاك صنعاء بالعزلة السياسية، وحاولت إحياء تحالفات قبلية واهية، وزرع الفتن في النسيج الاجتماعي اليمني المعروف بصلابته لكن الوقت، أثبت أن هذه القوى تزداد تماسكاً وقدرة على إدارة الدولة وإرساء الأمن في مناطق نفوذها.
الرهان الثاني: الضغوط الاقتصادية.. تحولت الرياض إلى سجّان يحكم قبضته على المطارات والموانئ، وينهب الثروات الوطنية في المناطق المحتلة، ويستخدم أدواته في البنك المركزي لتركيع الشعب اليمني عبر تجويع متعمد، كان الرهان قائماً على معادلة بائسة: الفقر والجوع يولدان الانفجار الداخلي الذي سيُسقط صنعاء في الحضن السعودي هدية مجانية لكن الذي حدث كان النقيض؛ فالإرادة الوطنية والتماسك الشعبي والوعي الجمعي أثبتوا أنهم أصلب من الحديد، وأن بطن اليمني الخالي قادر على أن يلد كرامة لا يشتريها كل نفط العالم.
الرهان الثالث: الاستنزاف العسكري.. استعانت الرياض بأدواتها المحلية لمشاغلة الجبهات، وزرعت خلاياها الأمنية والاستخباراتية لزعزعة الاستقرار الداخلي. إلا أن هذه الورقة سقطت سريعاً، لأن صنعاء كانت تمتلك رؤية استراتيجية ثاقبة: لم تشتغل بالأدوات عن الأصل، بل ظلت عيناها شاخصتين نحو الرياض. وبعد أحد عشر عاماً من الزحف والقصف والاستنزاف، ثبت عجز هذه الأدوات عن تحقيق أي نصر يذكر.
الرهان الرابع: التحولات الإقليمية والمظلة الدولية.. علقت الرياض آمالاً عريضة على الإدارات الأمريكية المتعاقبة، خصوصاً في عهد ترامب، وراهنت على العدوان الإسرائيلي لتقويض محور المقاومة وإضعاف إيران و”حزب الله”. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن؛ فبدلاً من أن تتراجع صنعاء، تحولت إلى لاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه، وأثبتت “وحدة الساحات” أن محور المقاومة خرج من المعارك أكثر تماسكاً واقتداراً، أما المظلة الأمريكية، فقد سقطت أسطورتها حين وقفت واشنطن عاجزة عن حماية سفنها في البحر الأحمر، وعاجزة عن فك الحصار اليمني على موانئ العدو الإسرائيلي.
الرهان الخامس: التسوية وفق الإملاءات.. بعد أن أدركت استحالة الحسم العسكري، حاولت الرياض أن تراوغ عبر بوابة “السلام”. لكنها لا تريد سلاماً حقيقياً، بل تريد “تحصيناً” لما تبقى من مكاسبها، وتحولاً من موقع المعتدي إلى موقع “الوسيط” الذي يملي الشروط. إنها ترفض الانسحاب من المناطق المحتلة، وتماطل في الملف الإنساني وتبادل الأسرى، وتستخدم “خارطة الطريق” كشماعة لربح الوقت وتكثيف الحصار، لقد أصبحت “عملية السلام” وفق الرؤية السعودية مجرد هدنة مؤقتة تتيح لها التقاط الأنفاس، وإعادة التموضع، ومواصلة الحرب بأدوات أخرى.
في فجر الجمعة، الثامن عشر من محرم عام 1448هـ، الموافق للثالث من يوليو 2026م، جاء المشهد الذي فجّر كل هذا الغليان المكبوت، كانت طائرة مدنية إيرانية تقل على متنها أكثر من مئتي مواطن يمني من العالقين والجرحى والمرضى، تتجه نحو مطار صنعاء الدولي في رحلة إنسانية لكسر الحصار الجائر، وفك طوق العزلة المفروضة على اليمنيين، ولكن في عنان السماء، كان تشكيل من الطيران الحربي السعودي يتربص، مخترقاً الأجواء اليمنية في محاولة سافرة لمنع الطائرة من الهبوط، متجاهلاً كل المواثيق الدولية والأعراف الإنسانية.
هنا، وفي هذه اللحظة التي اختلط فيها دم الجرحى بأنفاس المرضى، لم يعد السكوت ممكناً، فقد أصدرت القوات المسلحة اليمنية بيانها التاريخي الذي أعلن فيه بكل وضوح أن الدفاعات الجوية تصدت للتشكيل المعادي وأجبرته على الفرار، بعد أن خرق الأجواء في محاولة يائسة لفرض الإرادة السعودية على السماء اليمنية ، لقد كان المشهد عنواناً عن كون اليمن يمتلك اليوم من القوة ما يجعله قادراً على حماية أجوائه، وأن زمن البلطجة الجوية قد ولى بلا رجعة.
كانت الحادثة اختباراً للإرادة، ورسالةً مفادها أن صنعاء لن تقبل بعد اليوم باستمرار الحصار إلى ما لا نهاية، وأنها ستتخذ كل الخطوات المشروعة لإنهاء هذا الكابوس. البيان العسكري، المستند إلى تعليمات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، لم يترك مجالاً للُبس: “لن نقبل باستمرار الحصار السعودي الأمريكي الظالم على بلدنا إلى ما لا نهاية”. ومن هنا انطلق النفير العام، والجهوزية القتالية العالية، والرسالة الأبلغ: “أيدينا على الزناد”.
في مقابل هذا الموقف اليمني الواضح، خرج بيان تحالف العدوان ليكشف، مرة أخرى، أن العقلية التي خططت للحرب ما زالت هي ذاتها العقلية التي تدير الهزيمة، لقد جاء البيان مشبعاً بالمغالطات، متكئاً على منطق العنجهية الذي لا يريد أن يعترف بأن العالم قد تغير، وبأن القوة التي امتلكها اليمنيون أصبحت صواريخ ومسيّرات وإرادة صلبة عصية على الكسر.
لقد حاول بيان العدوان أن يصور نفسه وكأنه حامي السيادة، في مشهد أقرب إلى المهزلة منه إلى السياسة؛ إذ كيف لمن يعتدي أن يدعي الدفاع عن سيادة من يعتدي عليه؟ كيف لمن أغلق المطارات والموانئ، ونهب الثروات، وشرد الآمنين، أن يتباكى اليوم على السيادة اليمنية التي داسها بأقدام جنوده ومرتزقته؟ وأي منطق هذا الذي يجعل من عودة مواطنين يمنيين عالقين في الخارج، ومن سفر المرضى للعلاج، “انتهاكاً للسيادة” و”تهديداً للأمن السعودي”؟ إن هذا الخطاب لا يمكن أن يصدر إلا عن عقلية فقدت رشدها تماماً، عقلية ما زالت تتصور أن بإمكانها فرض الوصاية على اليمن وشعبه.
لقد زعم البيان أن صنعاء هي من يرفض خارطة الطريق، في محاولة مكشوفة لقلب الحقائق، وهو ادعاء كذّبته الخارجية اليمنية ببياناتها المتكررة التي أكدت فيها الموافقة على الخارطة مراراً وتكراراً، والحقيقة أن من يماطل هو الرياض، التي وجدت في التسويف فرصة لمواصلة حربها الناعمة، ورفض دفع استحقاقات السلام، والتهرب من الالتزام برفع الحصار ودفع المرتبات والانسحاب من الأراضي المحتلة، لقد راهن النظام السعودي على العدوان الأمريكي الإسرائيلي على اليمن أولاً، ثم على إيران ثانياً، ظناً منه أن هذه التطورات ستعيد رسم الخرائط لصالحه، وتعفيه من تبعات عدوانه، لكن النتيجة كانت عكسية تماماً: انكشف زيفه، وتمايزت الصفوف، وبات اليمن أكثر وضوحاً في موقفه المبدئي المساند لفلسطين، فيما باتت السعودية أداة صهيونية بكل معنى الكلمة.
وفي خضم هذا الجدل العقيم الذي حاولت الرياض فرضه، جاء رد وزارة الخارجية والمغتربين اليمنية ليكون فاصلاً وحاسماً، وليكون بحق رداً مزلزلاً لا يترك شاردة ولا واردة إلا وفندها ودحضها، بلغة تجمع بين صلابة الموقف ورصانة التحليل والعمق الاستراتيجي.
لقد بدأت الخارجية بتذكير الجميع بالثابت الذي لا يتزحزح: “الشعب اليمني بكافة مؤسساته اتخذ قراره بإنهاء العدوان وكسر الحصار ويد المعتدي، ولن يتراجع عن ذلك مهما كلفه من ثمن”. إنها كلمات تنم عن إرادة شعبية جارفة، لم تعد مجرد رغبة، بل تحولت إلى قرار لا رجعة فيه. وأكد البيان أن إعادة تشغيل مطار صنعاء الدولي حق سيادي لليمن، وأن صنعاء ماضية في ذلك بدون إذن من أحد، و هذا النص إعلان تحرر، وقطع للحبل السري الذي كان يربط القرار اليمني بالإملاءات الخارجية.
ثم جاء التذكير المرعب للرياض، ليس تهديداً بقدر ما هو عرض لحقيقة على الأرض: “على رأس النظام السعودي أن يتجه بأنظاره إلى حقول النفط وأرامكو وينبع وبقية الموانئ، وكذلك إلى سوق المال والبورصة، ورؤية 2030 وغيرها من المشاريع، علّه يعود إلى رشده ويعي حجم الكارثة التي ستحل به في حال الإقدام على ارتكاب أي حماقة”. وهنا تحول البيان إلى مرآة يرى فيها آل سعود وجههم الحقيقي: لقد تحولت كل تلك الشعارات البراقة إلى نقاط ضعف قاتلة، وإلى بنك أهداف واسع لم يعد بإمكانهم حمايته.
وتناول البيان بالتفنيد الدقيق كل مغالطة سعودية. أما ادعاء رفض خارطة الطريق فقد وُصف بأنه “عارٍ عن الصحة”، وأكدت الخارجية أنها أكدت الموافقة مراراً، وأن مصلحة اليمن في التنفيذ وليس في المماطلة، وأما ادعاء الدفاع عن السيادة، فقد ردت عليه الخارجية بأنه “دعوى من تملكه الغرور ولم يعد يفرق بين الدفاع عن السيادة وانتهاكها”، مؤكدة أن على الرياض أن تعرف أنها “معنية بنفسها ومملكتها، وليس وصياً على الدول الأخرى ولا معنياً بها ليدافع عنها وهو من يعتدي عليها”.
ثم كشفت الخارجية الوجه القبيح للنظام السعودي حين أثبتت أنه كان متربصاً أثناء معركة طوفان الأقصى، مراهناً على كسر اليمن وإيران، ليتسنى له التملص من استحقاقات السلام، ولكن الذي حدث كان العكس، إذ تجلى موقف اليمن الصادق والمبدئي المساند لفلسطين، فيما انكشف النظام السعودي “المتخم بالمؤامرات”. وهنا تتحول القضية إلى صراع مبدئي بين من يقف مع الحق والعدالة ومن اختار أن يكون أداة في خدمة المشروع الصهيو-أمريكي.
ولعل الأكثر أهمية في البيان هو ذلك التذكير بالجرائم التي لا تُنسى: “ما يربو عن ربع مليون غارة جوية… استشهاد عشرات الآلاف وجرح مئات الآلاف… لم يسلم من عدوانه حتى المقابر”. هذه فاتورة الدم التي آن أوان تحصيلها.
واختتمت الخارجية بتحذيرين استراتيجيين واضحين، الأول موجه إلى دول المنطقة والعالم: إن اليمن لا يطالب إلا بحريته واستقلاله، وإن أي خطوة سعودية ستلقي بظلالها السلبية على استقرار المنطقة واقتصاد العالم. والثاني موجه إلى الرياض: أن الأمن لا يتأتى بالقوة التي فشلت أعتى الدول في فرضها، وأن عليها أن تسلك طريق الصواب أو تتحمل نتائج غرورها ومغامراتها، مؤكدة أن البيان السعودي الأخير “يؤكد أنه وحده لا سواه من سيتحمل كامل المسؤولية وأي تبعات أخرى”.
إن ما يجري اليوم لحظة تاريخية فارقة تقف فيها الرياض على أعتاب هزيمتها المدوية، الهزيمة التي قد تكون الأكثر فداحة، لأنها تأتي بعد أن استنفدت كل الأوراق، وجفت كل الأنهار، وتكشفت كل الأقنعة.
لقد راهنت السعودية، طيلة أحد عشر عاماً، على إخضاع اليمن. راهنت على القوة الجوية، ففشلت. راهنت على المال والإغراءات والمرتزقة، ففشلت. راهنت على الحصار والتجويع، ففشلت. راهنت على الضغوط الدولية والمظلة الأمريكية، ففشلت. راهنت على التسويف والمماطلة والمراوغة، ففشلت. واليوم، بعد أن استهلكت كل هذه الأوراق، لم يعد في يدها شيء. لا شيء على الإطلاق.
في المقابل، تقف صنعاء اليوم على أرضية صلبة من الإنجازات والقدرات. إنها تمتلك قوة عسكرية ردعية أثبتت جدارتها في البر والبحر والجو. إنها تحظى بالتفاف قبلي وشعبي منقطع النظير، تفجر غليانه مؤخراً ضد كل من تسبب في الكارثة الاقتصادية. إنها تدير دولة بمؤسساتها رغم الحصار، وتخاطب العالم بلغة الندية لا لغة التسول. والأهم من كل ذلك، أنها لم تعد تخشى شيئاً، لأنها أدركت أن “ما قيمة حياتنا بدون حرية، وما قيمة سلامتنا ونحن مسلوبو القرار”.
إن البيان العسكري وبيان الخارجية، اللذين صدرا عقب حادثة الطائرة الإيرانية كانا إعلاناً عن دخول مرحلة جديدة تماماً، مرحلة “السن بالسن”، مرحلة إنهاء الحصار بالقوة، مرحلة فرض السيادة كاملة غير منقوصة. لقد قالت صنعاء للرياض بوضوح: إن بنك الأهداف اليمني واسع، وإن اليد التي على الزناد لن تتردد، وإن الكلفة التي ستدفعونها ستكون أكبر بكثير مما تتصورون.
في النهاية، لا يمكن قراءة ما يجري بمعزل عن الأحداث، فاليمن ليس طارئاً على الجغرافيا السياسية، بل هو أصل العرب، وهو يمن الإيمان الذي خرجت منه الجيوش لتحمل رسالة الإسلام إلى أصقاع الأرض، وهذا البلد الذي قهر الحضارات قديماً، قادر على قهر الآلات الحديثة اليوم.
لقد نفد صبر اليمنيين، نعم. ولكن ليس نفاد العجز، بل نفاد الحكمة في انتظار من لا يفهم إلا لغة القوة. إنها لحظة التحول الكبرى، التي قال فيها الشعب بكل فئاته: كفى. كفى حصاراً، كفى وصاية، كفى استعلاء. وما على الرياض إلا أن تسمع هذا الصوت المدوي.
