سمّاعون للكذب.. حين تصبح متابعة الإعلام إثمًا يؤثر في استقامة الإنسان
في زمنٍ لم تعد فيه القنوات الإعلامية مُجَـرّدَ ناقلٍ للخبر، إنها طرفٌ فاعلٌ في توجيه الرأي العام، بات المشهد أكثر تعقيدًا مما يبدو على السطح.
فالمسألة لم تعد تتعلق بما يُبث فقط، بل بكيفية استقباله، وكيف يتعامل معه المتلقي يوميًّا، دون أن ينتبه إلى حجم التأثير الذي يتسلل إليه بهدوء.
كثير من الناس اليوم يقضون ساعاتٍ طويلةً أمام الشاشات أَو على مِنصات التواصل، يتنقلون بين القنوات والبرامج، يظنون أنهم يواكبون الحدث، بينما هم في الحقيقة يتعرضون لسيلٍ متواصل من الرسائل التي لا تخلو من توجيه، أَو انتقاء، أَو حتى تضليل مباشر أَو غير مباشر.
حين نتأمل قول الله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ ندرك أن الخطورة ليست في الكذب وحدَه، بل فيمن يُصغي إليه ويكرّره ويمنحه مساحة في وعيه.
هذه الآية تختصر حالةً تتكرّر اليوم بأشكال مختلفة، حَيثُ يصبح السماعُ المتكرّرُ للخطاب المضلل بابًا للإثم تتشكل من خلاله قناعاتُ الباطل دون مراجعة أَو تمحيص.
من خلال المتابعة اليومية، يمكن ملاحظةُ أن بعضَ الوسائل الإعلامية لا تكتفي بنقل الخبر، بل تختار زاوية معينة، وتترك أُخرى، وتعيد صياغة الأحداث بطريقة تخدم توجّـهًا محدّدًا.
ومع التكرار، يبدأ المتلقي في تبني هذه الزوايا وكأنها الحقيقةُ الكاملة، دون أن يدركَ أنه يتلقى جزءًا من الصورة فقط.
المشكلة لا تقف عند حدود المعرفة، إنما تمتد إلى السلوك والموقف.
فحين تتشكّل القناعات بناءً على معلومات غير دقيقة أَو ناقصة، تنعكس مباشرة على طريقة تفكير الإنسان، وعلى حكمه على القضايا والأشخاص، وربما على علاقاته ومواقفه في الحياة.
ومن واقع الممارسة، يظهر جليًّا أن الفارقَ الكبيرَ اليوم لا يصنعُه كثرة المتابعة، بل وعي المتابع.
فالشخصُ المعني في الإعلام كتخصُّصٍ يملِكُ أدواتِ التمييز ويتوقف عند كُـلّ خبر يسأل عن مصدره وسياقه، يختلف تمامًا عن من يتلقى كُـلّ ما يُعرَضُ عليه دون تردّد.
هنا يبرز دورُ أهل الاختصاص في المجال الإعلامي؛ فهم الأقرب لفهم هذه الأدوات، والأقدر على قراءة ما بين السطور، وتحليل الخطاب الإعلامي وتفكيك رسائله.
وجودُهم مهمٌّ في كشف التضليل، وبيان أوجه التلاعب، وتقديم قراءة أكثر توازنًا للمشهد.
لكن هذا لا يعني أن المسؤوليةَ محصورةٌ فيهم وحدَهم.
الواقع أن الأغلبيةَ من الناس ليست من أهل التخصُّص، ومع ذلك هم الأكثر تعرُّضًا للإعلام وتأثرًا به.
لذلك فإن الوعي الفردي لم يعد خيارًا، إنه ضرورة.
أن يتوقف الإنسان عن مشاهدة الكذب في القنوات قبل أن يصدق، وقبل أن يشارك، وقبل أن يبني موقفًا على معلومة لم يتأكّـد منها.
متابعة الإعلام دون وعي قد تتحول، مع الوقت، إلى نوع من الاعتياد على تلقي الكذب أَو الخطاب غير الدقيق، وهو ما يدخل عمليًّا في دائرة “السماع للكذب” التي حذّر منها القرآن.
ليس لأن كُـلّ ما يُعرَض كذب، ولكن لأن غيابَ التحقّق يجعلُ المتلقي عُرضةً لتأثير ما لا يدرك حقيقته.
في النهاية تبقى المسألة مرتبطة بقدرة الإنسان على الحفاظ على توازنه كمعنيٍّ ومتخصِّصٍ في الإعلام.
فالإعلام سيستمر، والقنواتُ ستتعدد، والخطابات ستتباين، لكن الفرق الحقيقي يصنعه من يملك وعيًا هدفُه الردُّ لا المشاهدة، وهذا هو الفرق.
لو كنتُ خارجَ التخصص الإعلامي لا يمكن أن أشاهدَ أية قناة من قنوات التضليل، لكن كإعلامي تكمن مسؤوليتي مع بقية الزملاء في تفنيد وتفكيك السردية الإعلامية لقوى الباطل والضلال.
وهذا يميّز بين أهل الاختصاص وبين مَن يكتفي بالمشاهدة فقط؛ ولهذا تتحدّد الاستقامةُ الدينية بعدم سماعِ أهلِ الكذب، وعليه تُبنى كُـلّ المواقف لدى الإنسان.
