خنجر صهيوني في خاصرة الأمن القومي العربي.. “الإقليم الانفصالي” يبيع السيادة لكيان العدو بمباركة إماراتية وسط شلل عربي رسمي
تقرير | يحيى الشامي
وفي حفلة طاعنة لخاصرة الأمن القومي العربي، وفي لحظة فارقة من الصراع الإقليمي، تلاحقت التطورات الدراماتيكية التي كشفت عن سقوط مدوٍ جديد في مستنقع الولاء لكيان العدو الإسرائيلي مثلت زيارة متزعم “الإقليم الانفصالي” في شمال الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله، إلى كيان العدو صدمة عنيفة للأوساط العربية والإسلامية، كونها جاءت ضمن سلسلة تطبيعات متفاوتة وُجهت بإدانات خجولة، لكنها لم تتوقف، ما يضع الشعوب العربية أمام حقيقة مرة: الحاجة إلى فعل رسمي يتجاوز “ظاهرة الصوت” وبيانات التنديد التي لم تعد تساوي الحبر الذي تُكتَب به.
بدأ “عبد الله لهي” مشهده الخياني بجرأة غير مسبوقة، حين نقل لمتزعمي كيان العدو ما وصفها بـ “تحية ستة مليون مسلم صومالي”، في محاولة لتزييف الوجدان الشعبي وتجييره لصالح تحالف مشبوه، ولم يقف التجرؤ عند هذا الحد، بل دفع به مشغلوه لافتتاح سفارة للإقليم الانفصالي في القدس المحتلة، وهي الخطوة التي لم تتجرأ عليها معظم الدول التي تعترف بكيان العدو، ليدخل الإقليم الانفصالي التطبيع موالاةً من أوسع الأبواب التي فتحتها له ومهدت طريقها دولة الإمارات.
وفي معرض ردود الفعل، طالبت حركة حماس -في استنكار شديدِ اللهجة- جامعةَ الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بالتحرك الفوري لمنع الإقليم الانفصالي من كسر الموقف الموحد تجاه القضية الفلسطينية، غير أن الواقع يشير إلى أن الموقف العربي الرسمي يبدو “أبطأ وأعجز” عن الحد من هذه العلاقة المتنامية التي باتت تهدد العمق الاستراتيجي للعرب.
خلف الستار الدبلوماسي تبرز صفقات أمنية وعسكرية خطيرة، فقد كشف مسؤول رفيع في الحكومة الفيدرالية الصومالية لموقع “ميدل إيست آي” عن إرسال “خمسين جندياً إسرائيلياً من أصول أفريقية (إثيوبية)” إلى الإقليم الانفصالي عقب اعتراف كيان العدو به في ديسمبر الماضي. وبحسب التقارير الاستخباراتية فإن اختيار هؤلاء الجنود جاء “لتجنب التدقيق الشعبي والبقاء بعيداً عن أنظار المجتمع المحلي”.
تجاوز هذا التعاون حدود التدريب؛ إذ أفادت شبكة “سي إن إن” بأن الإقليم الانفصالي قدّم لكيان العدو قاعدة عسكرية استُخدمت من قبل الطائرات الإسرائيلية خلال غاراتها الجوية على إيران، هذا التواجد العسكري أكده متزعم الإقليم الانفصالي في مقابلة مع
قناة “i24” الإسرائيلية، حيث قال صراحة: “إسرائيل ساعدت أرض الصومال في مجالات مختلفة بدءاً من الزراعة والموارد المائية وصولاً للصحة والأمن”، مؤكداً انفتاحه الكامل على فكرة إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية دائمة نظراً للموقع الاستراتيجي المطل على مضيق باب المندب.
بالنسبة لليمن فإن التهديد انتقل من الاحتمالات إلى الواقع الميداني، فقد كشفت تقارير وصور أقمار اصطناعية عن وجود منظومات رادارية تابعة لكيان العدو في قاعدة “بوصاصو” الجوية، وأخرى في قاعدة “بربرة”. المنظومة المكتشفة هي من طراز (ELM-2084) الثلاثي الأبعاد، وهو نفس الطراز المستخدم في منظومة “القبة الحديدية” الصهيونية. هذه الرادارات، التي نُشرت بموجب ترتيبات عسكرية مع الإمارات، تهدف بالدرجة الأولى إلى رصد الصواريخ والطائرات المسيرة اليمنية خلال عمليات الإسناد لغزة، وتحويل السواحل المقابلة لليمن إلى “منصة مراقبة وتحكم” صهيونية، ما يضع الأمن البحري اليمني والقومي العربي في دائرة الاستهداف المباشر.
لا يمكن قراءة هذا التغلغل الصهيوني بمعزل عن الدور التخريبي لأبوظبي، فقد رصدت صور الأقمار الاصطناعية وسجلات الشحن حركة مكثفة ومريبة بين ميناء الفجيرة الإماراتي والمنشآت العسكرية في “بربرة”. السفن التي رُصدت في يونيو الماضي ليست حاويات تجارية، بل سفن شحن ثقيل نفذت رحلات متعددة لتفريغ معدات وأنظمة دعم عسكري. وهو المسار اللوجستي المتكرر الذي يعيد طرح تساؤلات حتمية حول طبيعة المعدات التي تصل إلى بربرة، ومن يمول توسع البنية التحتية العسكرية هناك. يبدو واضحاً أن الإمارات تدير عمليات إقليمية لتحويل “بربرة” إلى ورقة نفوذ صهيونية في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
وفي تصريح يجسد حجم الانبطاح، قال وزير خارجية الإقليم الانفصالي، عبد الرحمن ضاهر آدم، لموقع “واي نت” العبري: “اغرورقت أعيننا بالدموع عندما عُزف نشيدنا في مقر الرئيس (الصهيوني).. ولا حدود للتعاون بيننا”. وأضاف بوضوح: “سنتعاون في كل شيء وفي أي مجال نرى أن كلا البلدين يمكن أن يستفيدا منه، سواء كان اقتصادياً أو أمنياً أو سياسياً”.
تعكس هذه التصريحات الدفع به لخدمة مشاريع صهيونية وعدوانية ليس لجوار الصومال وحسب، بل لكل المنطقة العربية، مقابل إغراء الإقليم الانفصالي في شراء “شرعية دولية” مفقودة عبر تقديم “قرابين” لكيان العدو، تشمل فتح قطاع التعدين ومنح امتيازات حصرية، في وقت تؤكد فيه الحكومة الصومالية المركزية أن الإقليم جزء لا يتجزأ من ترابها الوطني، وأن هذه التحركات تفتقر إلى أي أساس قانوني.
إن الحقيقة القاسية التي يفرضها هذا التطبيع الناشز عن المواقف العربية والدولية هي أن كيان العدو الصهيوني يواصل حصد ثمار التطبيع المتسارع، وينشر قواعده وأصوله العسكرية ليُحكِم طوق الخناق على البحر الأحمر من بوابته الجنوبية. وهو ما يحتم على المجتمع العربي والأنظمة الرسمية، وخاصة جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي التي لا تزال تكتفي ببيانات القلق، اتخاذَ موقف قوي يتجاوز طريقة تعاطيها الباهتة قبل أن يكتمل بناء “السور الصهيوني” حول ممراتهم، وأن يتخذ العرب موقفاً مغايراً يرقى لمستوى التهديد الفعلي، بدلاً عن الإدانة الباهتة التي ثبت حتى الآن أنها لا تمنع العدو الصهيوني من الإيغال في خطواته والتقدم أكثر في تهديد الأمن القومي العربي، خاصة أن السكوت على هذا الخرق وهذه الصفقات، التي تُبرم خارج إطار الدولة الأم، لا يُضعف فقط وحدة الصومال، بل يشجّع نزعات انفصالية في مناطق أخرى ضمن مساع صهيونية تهدف لخلق مزيد من الفرص أمام توسع المشروع الصهيوني عبر عدة أدوات من بينها تفتيت مراكز القوة وتشتيت اهتماماتها، باعتبار أن ما يحدث في الإقليم الانفصالي أكثر من مجرد شأن محلي صومالي، بقدر ما هو -بحكم الترابط الجيوسياسي- مهدِّدٌ وجودي للأمن القومي العربي ولسيادة الدول العربية المشاطئة للبحر الأحمر على وجه الخصوص.
