تقرير|  يحيى الشامي

اليمن -الذي خرج من حرب استنزاف طويلة- دخل المعركة الجديدة وكأنه خزان طاقة لا ينضب، استعاد موقعه في قلب المعادلة العربية للأمن القومي، وترجم موقفه المبدئي تجاه فلسطين إلى واقع ميداني أذهل دوائر التحليل، وأكد أن الجيو–سياسة لا تعترف دوماً بجيوش نظامية وأساطيل ضخمة، بل قد تولد من رحم المعاناة والعزيمة قوة يصعب احتواؤها. وهكذا، طويت صفحة “الفارس الخشن” بعد أن جرفته سيول الإرادة، وظل السؤال معلقاً في هواء البحر الأحمر: كيف لبلد أُنهِك بالحصار والقصف أن يكتب بيده شهادة وفاة أسطورة الحاملات، ويفرض واقعاً يبدأ للتو في التشكل؟

في جغرافيا تتقاطع فيها طرق العالم، كتب اليمن بصموده فصلاً استثنائياً في سجلات الحروب غير المتكافئة، السادس من مايو 2025 جسد علامة فارقة انكسرت عندها لغة التهديد، وتحولت حاملات الطائرات الأمريكية من أيقونات ردع وكاسحات لسيادة البلدان إلى صفائح عائمة تنسحب تحت جنح الظلام وتتلطّى خلف سفن الشحن التجارية أملاً في النجاة من صواريخ ومسيّرات اليمن. القصة لا تبدأ من الإعلان الرئاسي الأمريكي، بل من لحظة قرر فيها شعب محاصر منذ ثمانية أعوام أن يجعل من مبادئه درعاً ومن جغرافيته سيفاً، واضعاً أثمن أوراقه على طاولة القضية الفلسطينية، وفي رسم إسناد أشرف قضية وأعظم مظلومية.

من غزة إلى صنعاء وحدة الساحات والغايات

مع استئناف الكيان الإسرائيلي حرب الإبادة في غزة مطلع عام 2025 وتنصله من الاتفاقات، عادت شاشات العالم تنقل مشهداً اعتقدت واشنطن أنه مجرد “أزمة قطاع”، لكن اليمن -بقراءة مختلفة تماماً للحدث- أعاد وصل ما حاولت السياسة فصله، قفزت صنعاء إلى واجهة المواجهة دون تردد أو تلكؤ، شعباً وسلطة، لتصبح من جديد طرفاً مباشراً في معركة ثلاثية الأبعاد، توحدت الساحات: غزة تقاوم على الأرض، واليمن يشتبك في البحر والسماء. أدرك العدوان الثلاثي (الأمريكي – البريطاني – الإسرائيلي) أن إسكات غزة يمر حتماً عبر إخضاع اليمن، فانتقلت آلة الحرب الثقيلة جنوباً نحو مياه كانت هادئة.

الروايات الرسمية الأمريكية تحدثت عن “حماية الملاحة الدولية”، لكن كل غارة كانت تلهث خلف أهداف أكثر عمقاً وخطورة. في مطبخ القرار العسكري المشترك، خُطط لتأمين مسار السفن المتجهة إلى موانئ كيان العدو الإسرائيلي أولاً، وإجبار صنعاء على وقف ضرباتها المؤلمة لعمق الكيان ثانياً، وضرب كل قدرة صاروخية أو جوية ناشئة ثالثاً، أما الهدف الرابع الذي تهمس به مذكرات الاستراتيجيين، فكان إعادة بناء ذلك “الردع” الذي تحطم هيكله طوال سنوات، وصارت استعادته حلماً يراود جنرالات البنتاغون. غير أن مفارقة كبرى كانت تنتظرهم: الذهاب إلى اليمن لإصلاح الردع المهشّم أسفر عن تحطيم ما تبقى منه.

تمددت نيران القاذفات الاستراتيجية وطائرات الشبح على كامل الجغرافية اليمنية في أيام قليلة فقط، سجّلت كاميرات التوثيق مجازر مروعة بحق مدنيين وعمال أفارقة، في مشهد بدا أقرب إلى عقاب جماعي منه إلى عملية عسكرية مدروسة. راهن صانع القرار الصهيوأمريكي على أن الرعب الجوي قادر على نزع الإرادة، فأمعن في استهداف التجمعات السكنية والأعيان المدنية، لكن النتيجة جاءت معاكسة تماماً: كل غارة عمّقت الإصرار، وكل مجزرة ولدت حضوراً شعبياً أوسع عكسته مليونيات السبيعين في صنعاء ومئات الساحات على امتداد المحافظات اليمنية، فبدأت ملامح الهزيمة تتسرب إلى غرف العمليات الأمريكية، من و اقع أن المعادلة التي يُختزل فيها الإنسان إلى هدف لم تعد تعمل، تعطّلت كلياً في يمن الإيمان.

مفاجآت من عمق المحيط: انزياح مركز الثقل البحري

وسط القصف المتواصل، انشغلت الدوائر الاستخباراتية العالمية بتحليل قدرات لم تكن في الحسبان خلال اثنين وخمسين يوماً، نفذت القوات اليمنية مائة وإحدى وثلاثين عملية نوعية، رمت فيها بمئتين وثلاثة وخمسين صاروخاً باليستياً ومجنحاً وفرط صوتي، إلى جانب طائرات مسيرة انقضت على أهدافها في عمق الكيان المؤقت وفي قلب البحر. تحولت حاملة الطائرات “يو إس إس هاري ترومان”، تلك القطعة التي لطالما أرعبت تحركاتها عواصم بأكملها، إلى بطة جالسة في مرمى أربع وعشرين عملية معلنة على الأقل، أُرغمت على الانعطاف الحاد تلو الآخر، هرباً إلى أقصى البحر الأحمر، تاركة خلفها سمعة بحرية تهشمت.

الاعتراف الأمريكي بسقوط طائرتين مقاتلتين من طراز “إف-18″ في أسبوع واحد شكل صدمة تتجاوز الخسائر المادية. محاولة تفسير السقوط بـ”مناورة حادة” و”خلل في المكابح” فضحت حجم الضغط النفسي والتكتيكي الذي مارسته صواريخ لا تُرى بالعين المجردة. وفي الجو، امتدت اليد اليمنية لتسقط ثماني طائرات “إم كيو-9” المتطورة وطائرة استطلاع من طراز “جاينت شارك”، بينما اخترقت الدفاعات الجوية لأول مرة حواجز طائرات الشبح وأجبرتها على إخلاء الأجواء. كل ذلك يثبت أن المواجهة أنتجت مختبراً حياً لاختبار أحدث الأسلحة الأمريكية، لم تخرج منه واشنطن بالتفوق الذي بنت عليه عقيدتها القتالية.

إعادة تعريف الحظر البحري

المراقبون الذين تابعوا تطور الأحداث قدموا شهادات لافتة سجّلوا فيها ملاحظاتهم التي رصدت تحولاً بالغ الدلالة، فالحظر البحري اليمني، الذي استهدف في البداية السفن المتجهة إلى الكيان فقط، اتسع بفعل التصعيد الأمريكي ليشمل السفن الأمريكية نفسها، ما يعني أن واشنطن التي قدِمت إلى المنطقة بذريعة “فتح الممرات المائية”، صنعت بيدها واقعاً أصبحت فيه سفنها عاجزة عن المرور الآمن، فانقلبت المعادلة رأساً على عقب، وغدا أقوى أسطول في العالم يبحث عن ممرات بديلة طويلة ومكلفة، بينما بقي اليمن ممسكاً بتلابيب المضيق الاستراتيجي كحارس لبوابة يرى فيها امتداداً لقضيته المركزية، ولامتداد حقه السيادي البحري الطبيعي المكفول والذي طالما كان مصادراً لمصلحة الأمريكي والبريطاني لقرون.

العد التنازلي استنزاف بلا طائل

بعيداً عن بيانات النصر والخسارة، تسربت أرقام من دوائر الحكم والقرار في الإدارة الأمريكية عبر تقارير صحفية كبرى، تشير إلى أن كلفة الشهر الأول من الحملة تجاوزت مليار دولار، استهلكت ذخائر متطورة يصعب تعويضها بسرعة، وأرهقت طواقم بحرية لم تعهد هذا الإرهاق المتواصل والضغط الشديد، جنود على ظهر الحاملات دخلوا في دوامة إنهاك غير مسبوقة، بينما كان خصمهم المنهك اقتصادياً والمحاصر منذ سنوات يقاتل بوتيرة تصاعدية، ويطور في صواريخه ومسيراته بشكل بدا للمراقبين وكأنه مستعد لمعركة تستمر عقداً لا شهرين، وهي فجوة تعكس خللاً في الجاهزية النفسية والاستراتيجية، وقادت إلى سؤال مرير في أروقة واشنطن: إلى متى يمكن تحمل فاتورة لا تحقق أي تقدم ميداني؟

جميع التساؤلات أنتجت انعطافات حادة: حقيقية نفذتها القطع البحرية هرباً من النيران، ومجازية وجد قادة البيت الأبيض أنفسهم أمامها ومجبرين على التعامل معها، كما أنها ذكّرت بالتهديدات التي انطلقت بوعيد “إطلاق جحيم لم تروا مثله من قبل” والتي تلاشت أمام بأس الثبات اليمني، لتتحول إلى بحث مضن عن مخرج دبلوماسي. في هذا السياق أتت وساطة سلطنة عُمان -بطلب أمريكي- لتقدم طوق النجاة، وفي السادس من مايو أُعلِن عن اتفاقٍ لوقف النار، لم يكن خياراً استراتيجياً أمريكياً بقدر ما كان ضرورة فرضها استنزاف السمعة والعتاد معاً، ومعها بدت الصور الأخيرة التي وثقت انسحاب القطع البحرية الكبرى خالية كلياً من ملامح النصر، مكتفيةً بسردية أمريكية حاولت عبثاً تصوير الهزيمة تسويةً رشيدة. على الضفة الأخرى، خرجت صنعاء محتفظة بكل ثوابتها: إسناد غزة لم يتوقف، والحظر البحري على السفن الصهيونية بقي قائماً، والقدرات العسكرية لم تتراجع بل ازدادت صلابة وراكمت إلى قدراتها خبرات المعركة البحرية التي سجلت نجاحات صُنّف بعضها الأول من نوعه في تاريخ الحروب البحرية.

العمق الاستراتيجي وسقوط أسطورة الحاملات

امتدّ الردّ اليمنيّ إلى ما وراء الدفاع أو مواجهة الأسطول الأمريكي. تواصلت عمليات الإسناد لغزة بوتيرة متصاعدة ودقة أعلى، مع ظهور قدرات جديدة سمحت بضرب أهداف حيوية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. استهداف مطار اللد (بن غوريون) جاء تعزيزاً للحصار الجوي على الكيان، فيما طالت الضربات عشرات القواعد العسكرية واللوجستية الصهيونية، كاشفةً عن قدرة يمنية على تجاوز الدروع الدفاعية المعقدة، واستغلال ثغرات التغطية الرادارية والإلكترونية. هنا تبرز مفارقة استراتيجية عميقة: الحرب الحديثة لم تعد تعتمد على التفوق الكمي فحسب، بل على «نسبة التكلفة إلى الأثر». صاروخٌ يمنيّ تكلفته جزء بسيط من تكلفة طائرة شبح أو حاملة طائرات، قادرٌ على إجبار منظومة عسكرية بأكملها على تغيير مسارها، أو تعطيل عمليات لوجستية حيوية، أو زعزعة استقرار أسواق التأمين والملاحة العالمية. ارتفاع أقساط التأمين البحري، وتحول خطوط الشحن إلى طرق أطول وأكثر كلفة، كلها عوامل ضغط اقتصادية وسياسية ضربت في صلب المصالح الأمريكية والغربية، وجعلت استمرار العدوان خياراً غير مستدام قبل أن يُعلن فشله رسمياً.

الـ6 من مايو.. فرض المعادلة ورفض المهادنة

جاء إعلان وقف إطلاق النار بين صنعاء وواشنطن -برعاية السلطنة العمانية الشقيقة- محكوماً بحتميةٍ فرضها نزيف الخسائر المادية والبشرية، وتآكل صورة الردع، والضغوط الداخلية والدولية المتزايدة. حاولت الآلة الإعلامية الأمريكية تسويق الخروج على أنه «انتصار دبلوماسي»، وزعمت أن صنعاء استجدت واستسلمت، لكن الوقائع الميدانية كانت أبلغ من أي رواية. اليمن ثبت على موقفه. لم يرفع الحظر عن السفن المرتبطة بالعدو الإسرائيلي، ولم يوقف ضرب الأهداف الحساسة في الأراضي المحتلة، بل واصل عمليات الإسناد لغزة بكل ثبات، مؤكداً أن موقفه من القضية الفلسطينية ليس ورقة مساومة، بل ثوابت وطنية ودينية وإنسانية لا تقبل التجزئة. في المقابل، نجحت صنعاء في فصل واشنطن عن “تل أبيب” عملياً، ما ترك الكيان يواجه الصواريخ والمسيرات اليمنية وحيداً، في مشهد كشف عن هشاشة التحالفات حين تصطدم بإرادات لا تقبل الانحناء.

ما يستحق التوقف عنده في هذه الجولة يتجاوز عدد العمليات أو حجم الخسائر، ليتجلّى في التحول النوعي في مفهوم السيادة والردع. اليمن، الذي حوصر وجُوع وقُصف لثمانية أعوام، خرج من هذه المواجهة كقوة فاعلة أعادت تعريف حدود الممكن في الحرب غير المتماثلة. أثبت أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على توظيف المتاح بذكاء، وتحويل الضعف الظاهري إلى ميزة استراتيجية، وصياغة رواية وطنية تصمد أمام ضجيج الآلات الإعلامية المعادية. كشفت المواجهة أيضاً عن واقع مؤلم في المحيط العربي والإسلامي: الخذلان المؤسسي للقضية الفلسطينية، والصمت الرسمي أمام المجازر، وتخلي كثير من الأنظمة عن واجبها الأخلاقي والسياسي، في وقت كان اليمن -رغم جراحه- يقف وحيداً -تقريباً- في مقدمة الصف. هذه المفارقة التاريخية لا تُقلل من شأن الإنجاز اليمني، بل تضخمه، وتجعله درساً في الثبات المبدئي حين تتخلى الأعراب عن القيم. كما أعادت المواجهةُ التأكيدَ على أن عصر حاملات الطائرات كأداة حسم مطلقة يدخل مرحلة مراجعة جذرية، فلم تعد هذه العملاقة البحرية رمزاً للقوة الساحقة، بل أصبحت أهدافاً استراتيجية مكشوفة أمام تقنيات غير متكافئة وشبكات دفاع ذكية.

إعادة تشكيل النظام الإقليمي من الأسفل

مثّل ما بعد السادس من مايو شهادة ميلاد لنظام إقليمي جديد تكتبه الصواريخ اليمنية الموقودة بعزم الإرادة السياسية والشعبية لا الإملاءات الأمريكية ولا حاملات الطائرات التي كانت أداة الردع الأسرع والأقوى في العالم، فتراجعت مكانتها بعد أن أثبتت المناورات اليمنية أن تكلفة الاقتراب من الشواطئ أصبحت باهظة إلى حد الشلل، وبدا بعدها أن المغامرات الأمريكية اللاحقة لن تجد تربة صالحة بعد الذي جرى مع اليمن، أما كيان العدو الاسرائيلي فقد وجد نفسه وحيداً بلا أمريكا أمام الصواريخ اليمنية.