محمد ناصر حتروش

تأتي الذكرى السادسة والثلاثون لعيد الوحدة اليمنية 22 مايو في ظل استمرار ما تعانيه المحافظات الجنوبية المحتلة من انهيار أمني واقتصادي حاد، نتيجة السياسات التي تعمل قوى تحالف العدوان على ترسيخها منذ أكثر من عقد من الزمن. ورغم هذه التحديات، يؤكد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -حفظه الله- في خطابه بالمناسبة أن الوحدة اليمنية تظل في صدارة الثوابت الوطنية والاستراتيجية، باعتبارها منجزًا تاريخيًا تحقق بتضحيات اليمنيين كافة، وليس امتيازًا لطرف أو هبة خارجية، بل استحقاق وطنيً متجذر في الهوية والتاريخ المشترك. ويشدد على أن الوحدة تمثل تجسيدًا للهوية الإيمانية الجامعة، وأن الحفاظ عليها مسؤولية وطنية تتطلب الوعي والالتفاف الشعبي في مواجهة مشاريع التقسيم والتدخلات الخارجية الساعية لتفتيت الجغرافيا وإثارة النعرات. ويدعو السيد القائد إلى معالجة القضايا الوطنية، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، بما يضمن العدالة والمواطنة المتساوية ضمن شراكة وطنية شاملة، مؤكدًا أن الوعي الشعبي والتمسك بالنهج التحرري يمثلان الضمانة الأساسية لإفشال محاولات التفكيك وحماية المنجز الوطني.

في السياق، يحذّر عضو المكتب السياسي لأنصار الله الدكتور حزام الأسد من استمرار المشاريع العدوانية الهادفة إلى تمزيق الهوية الوطنية اليمنية وإضعاف وحدة البلاد، مؤكدًا أن الوحدة اليمنية تمثل منجزًا تاريخيًا يجسد تطلعات اليمنيين في التحرر والاستقلال وبناء دولة ذات سيادة.

وفي حديث خاص لموقع أنصار الله، يؤكد الأسد أن هذا المنجز تعرض خلال العقود الماضية لمحاولات استهداف ممنهج نتيجة سياسات الإقصاء والتهميش والفساد والارتهان للخارج، الأمر الذي أسهم في تعميق الأزمات وتوسيع فجوات الانقسام داخل البلاد. مبينًا أن العدوان على اليمن فاقم من حدة التحديات، حيث نتج عن العدوان والحصار استهداف البنية التحتية والاقتصاد، لا سيما تلك المحافظات الجنوبية الخاضعة للاحتلال، والتي سعى فيها العدو إلى إعادة رسم الجغرافيا اليمنية عبر دعم مشاريع التفكيك والانفصال وإذكاء الفوضى. ويشير إلى أن المناطق الواقعة تحت الاحتلال شهدت انتشارًا للجماعات المتطرفة والتنظيمات التكفيرية، ما أدى إلى تدهور الوضع الأمني والسياسي، مؤكدًا أن غياب السيادة الوطنية يكرّس حالة من الاضطراب، ولا يمكن أن ينتج استقرارًا أو دولة مستقرة. ويشدد على أن الحفاظ على الوحدة اليمنية يرتبط بمواجهة مشاريع الاحتلال والتقسيم، وتعزيز السيادة الوطنية واستقلال القرار السياسي، لافتًا إلى أن الوحدة ليست مجرد كيان جغرافي، بل قضية هوية وطنية وكرامة واستقلال لكل اليمنيين.

بدوره، يؤكد عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة صنعاء الدكتور عبد الملك عيسى أن السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -حفظه الله- طرح نهجًا تحرريًا متكاملًا يتجاوز الموقف السياسي من الهيمنة الخارجية، ليشكل مشروعًا شاملًا يبدأ من تحرير الوعي، ويمر بتحرير القرار الوطني، وصولًا إلى بناء اقتصاد مستقل قائم على الإنتاج لا على التبعية والاستهلاك. ويقول -في حديث خاص لموقع أنصار الله-: “هذا النهج يمكن أن يتحول في صنعاء إلى مشروع وطني جامع إذا ما جرى التعامل معه بوصفه برنامجًا عمليًا لحياة الناس، لا مجرد خطاب تعبوي”، لافتًا إلى أن الخطاب يربط بوضوح بين الارتهان للخارج وبين نتائج خطيرة تتمثل في تمزيق النسيج الوطني، واستنزاف الثروات، وتحويل البلاد إلى سوق استهلاكية تابعة، ما يستدعي الانتقال من الإدانة إلى بناء بدائل إنتاجية وطنية. ويضيف: أن “الخطوة الأولى تتمثل في تقديم المشروع التحرري كقضية جامعة لكل اليمنيين، باعتباره مرتبطًا بالسيادة الوطنية وحماية الثروة وبناء اقتصاد منتج، بما يتيح التفاف مختلف المكونات حوله باعتباره قضية تمس الحياة اليومية والكرامة ومستقبل الأجيال، انسجامًا مع مبدأ الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق”. ويشير إلى أن الخطوة الثانية تتمثل في تحويل المقاطعة من مجرد موقف احتجاجي إلى سياسة اقتصادية فاعلة ترتبط بدعم الزراعة والصناعة والقطاع الخاص والجمعيات التعاونية، بما يضمن تدوير رأس المال داخل الاقتصاد الوطني بدل تسربه إلى الخارج. ويبين أن الخطوة الثالثة ترتكز على ربط مفهوم التحرر بالأمن الغذائي باعتباره أساس السيادة، من خلال الانتقال من اقتصاد الاستيراد والاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج والاكتفاء، بما يشمل الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية. ويشدد على أن الخطوة الرابعة تقوم على إشراك مختلف فئات المجتمع في هذا المشروع، من تاجر ومزارع ومستهلك وطالب وإعلامي ومؤسسات دولة، معتبرًا أن النهضة الاقتصادية لا تتحقق بقرارات منفردة، بل بحراك مجتمعي واسع بدعم رسمي.

ويؤكد الدكتور عيسى ضرورة تحويل النهج التحرري إلى مشروع وطني متكامل يجعل منه إطارًا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا قادرًا على حماية السيادة، وتعزيز الوحدة، وبناء بديل وطني حقيقي قائم على الإنتاج والإعلام التنموي والبحث العلمي، بما يخرج البلاد من دائرة الارتهان للخارج.

تفكيك اليمن ونهب ثرواته عبر ترسيخ الانقسام

وتعمل قوى تحالف العدوان على تكريس حالة الانقسام والانفصال في المحافظات الجنوبية المحتلة، في إطار مساعٍ تهدف إلى تقسيم اليمن وإضعافه، بما يتيح لها السيطرة على ثرواته ومقدراته ونهب خيراته، وهو ما دأب عليه العدو خلال أكثر من عشر سنوات من العدوان على البلاد.

وحول هذا الشأن، يؤكد منسق الجبهة الجنوبية الوطنية لمواجهة الغزو والاحتلال أحمد العليي أن التحذيرات التي أطلقها السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي -حفظه الله- بشأن محاولات القوى الخارجية استغلال الملف اليمني وإثارة النعرات المناطقية، تعد توصيفًا دقيقًا لواقع ممتد عاشه اليمن خلال العقود الماضية، حيث عملت أطراف إقليمية ودولية على تغذية الانقسامات وتمزيق النسيج الوطني بما يخدم مصالحها. ويوضح -في حديث خاص لموقع أنصار الله- أن هذه السياسات أصبحت ملموسة لدى مختلف أبناء الشعب اليمني، خصوصًا بعد أكثر من عشر سنوات من العدوان والاحتلال، مشيرًا إلى أن التجارب أثبتت أن ضعف الهوية الوطنية الجامعة يفتح المجال أمام تمدد المشاريع الصغيرة، ويحوّل القضايا المطلبية إلى أدوات صراع تستثمرها القوى الخارجية لإبقاء اليمن في حالة استنزاف دائم. ويشير إلى أن أبناء الجنوب يدركون أن معالجة معاناتهم لا يمكن أن تتم عبر الارتهان للخارج أو تبني الخطابات المناطقية الضيقة، وإنما من خلال مشروع وطني عادل يحفظ كرامة الجميع ويصون وحدة المجتمع وسيادة البلاد. ويشدد على أن العودة إلى الهوية الجامعة تمثل ضرورة وطنية وأخلاقية، مؤكدًا أن الهوية الإيمانية والوطنية المشتركة قادرة على تعزيز قيم العدل والمواطنة المتساوية، وترسيخ الثقة بين أبناء الوطن الواحد، بما يسهم في تحصين المجتمع من مشاريع التفكيك، وإعادة توجيه الجهود نحو مواجهة التحديات الكبرى.

ويشير العليي إلى أن التعويل على تحالف العدوان أثبت عدم قدرته على تحقيق استقرار دائم، كون القوى الخارجية تتعامل مع اليمن من منظور مصالحها الخاصة لا من زاوية مصلحة الشعب اليمني، معتبرًا أن الحل يكمن في تعزيز قيم المحبة والتماسك، والتمسك بالثوابت الوطنية الجامعة. ويخلص إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب خطابًا مسؤولًا يعزز الوعي المجتمعي، ويحمي البلاد من التحريض المناطقي والطائفي، مشددًا على أن قوة اليمن تكمن في وحدته وتماسكه لا في تشظيه وارتهانه للخارج.

 

بدوره، يؤكد أمين سر جبهة التحرير الدكتور عارف العامري أن الذكرى السادسة والثلاثين لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية تمثل محطة مهمة لاستحضار ما رافق هذا المنجز الوطني من شوائب خلال العقود الماضية نتيجة المصالح الشخصية الضيقة، إضافة إلى المشاريع والأجندات الإقليمية التي سعت بعض الأنظمة إلى تنفيذها في المحافظات اليمنية الجنوبية والشرقية.

وفي حديثه لموقع أنصار الله، يوضح العامري أن معالجة القضية الجنوبية تتطلب العودة إلى الاتفاقية التي قامت على المشاركة والشراكة، بعيدًا عن الإقصاء والتهميش، وبما يضمن تقاسم الثروة بين أبناء الشعب اليمني، مشددًا على ضرورة توفر المبررات السياسية والقانونية والاجتماعية والشعبية للحفاظ على وحدة البلاد. ويشير إلى أهمية وجود إرادة شعبية حقيقية لإبقاء الوحدة وتماسك المجتمع اليمني، إلى جانب الاستناد إلى الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن التي تؤكد وحدة اليمن وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه، فضلًا عن مخرجات الحوار الوطني التي تم التوافق عليها بين مختلف الأطراف اليمنية.

ويحذر العامري من مخاطر التشظي أو الانفصال، معتبرًا أنه قد يؤدي إلى حروب أهلية داخل المحافظات الجنوبية والشرقية، داعيًا إلى الوقوف إلى جانب أبناء هذه المحافظات ومنحهم الاهتمام اللازم بما يضمن استمرار مسار الوحدة اليمنية. ويدعو إلى إطلاق حوار وطني جامع يضم مختلف المكونات السياسية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والإعلامية في جميع المحافظات، بهدف التوصل إلى حلول تخدم القضية الجنوبية دون الحاجة إلى رعاة دوليين أو تدخلات خارجية. ويشدد على أن التدخلات الأجنبية غالبًا ما تؤدي إلى اختلاف الرؤى وفرض الإملاءات والأجندات، متهمًا قوى تحالف العدوان بالتسبب في تغذية الطائفية والجهوية والمذهبية، والتي جعلت المحافظات الجنوبية المحتلة في حالة من عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي. ويشير إلى ضرورة الاعتراف بحقوق جميع أبناء اليمن، وتكريس مبدأ تقاسم الثروة بعيدًا عن المصالح الضيقة، مع رفض أي مشاريع للتقسيم أو التفتيت، محذرًا في الوقت ذاته من خطورة استمرار التدخلات الخارجية في الشأن اليمني.