تقرير | وديع العبسي

على غير ما تمناه محور الشر باستهدافه اليمن لتدمير فرص أن تقوم له قائمة، سجّل التاريخ ظهوره كقوة ذات تأثير حيّ علي المستوى الإقليمي والدولي.

برزت معطيات التحول المفاجئ في 31 أكتوبر 2023، حين أعلنت القوات المسلحة اليمنية تدشين المرحلة الأولى من العمليات الإسنادية لقطاع غزة ضد الكيان الإسرائيلي بتنفيذ عملية عسكرية تمثلت بإطلاق صواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيرة على أهداف في أم الرشراش جنوبي فلسطين المحتلة. قبلها بأيام كان العدو الإسرائيلي، يعربد بصورة غير مسبوقة، بنوايا مشهودة لإبادة الشعب الفلسطيني في القطاع وإخلائه من كل شيء حيّ.

حينها كان العالم كعادته يؤكد حالة النفاق التي يعيشها بين ما يعلنه من شعارات، وما يبديه من مواقف تجاه الانتهاكات القاسية التي يتفرد بها العدو الإسرائيلي لكل القيم والأعراف وحقوق الإنسان الفلسطيني الذي يسعى لأن يعيش على أرضه بسلام.

ما استدعي التحرك العملي الجاد ضد العدو

تعددت المجازر في أيام فقط، وبدأ القطاع يشهد كل أنواع الإجرام ضد النساء والأطفال والمدنيين، وحصدت آلة القتل الأمريكية “الإسرائيلية” أرواح عشرات الآلاف من الفلسطينيين كما في الإصابات، والتشريد، فضلا عن تدمير البنية التحتية وكل وسائل الحياة وإحراق المزارع وقتل المواشي، وشهد العالم -في الأثناء- أشكالا بشعة من الإجرام، كالقتل بدم بارد، وقنص الأطفال، واستهداف المستشفيات، وقطع الكهرباء ومنع وصول الماء والغذاء والدواء؛ فعجّل هذا التصاعد في الإجرام الشيطاني، من تحرك اليمن للجم العدو وتأديبه.

القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني بسبب ممارسات الصهاينة المرضى في أخلاقهم وإنسانيتهم، والمسحوقة نفسياتهم بسبب الشعور بالنقص والدونية، باعتبارهم كائنات لقيطة لتأسيس كيان خاص بهم، لا يتمتعون بانتماء لأي أرض ولا بتاريخ مشرِّف، كحال كل شعوب العالم، كل ذلك ظل حاضرا في وعي الشعب اليمني.

لهذا ظلت نظرة اليمن للعدو الإسرائيلي، حتى من قبل حرب الإبادة التي شنّها على غزة، غُدة سرطانية بحاجة لعملية استئصال، وإنما جاء العدوان مصداقا لما أكد عليه السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي مرارا ومن قبله شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي رضوان الله عليه،  بكون هذا العدو يرى في إبادة كل الجنس البشري هدفا لسيادة العالم والتحكم بمصائر الشعوب، وهو ما يستدعي تحرك عملي جاد ينقذ البشرية من هذه الآفة؛ ولهذا جاء التحرك اليمني بحجم ما يمثله العدو الإسرائيلي من خطر، وما يمارسه من استباحة لحياة الفلسطينيين.

تجاوز معضلة فارق الإمكانات

لم ينتظر اليمن طويلا، حتى أعلن بدء عملياته ضد العدو معلنا شرط إيقاف حرب الإبادة في غزة ورفع الحصار، لإيقاف عملياته ولن تتوقف قبل تحقيق هذا الشرط  واتخذ اليمن في معركته الإسنادية والتعامل مع العدو الأمريكي الصهيوني، استراتيجية متصاعدة كمّاً ونوعاً في السلاح، وكمّاً وتكتيكاً في العمليات، ومع كل عملية كان يسجل -في رصد الآخرين حول العالم- إضافة نوعية تؤسس لمعادلات جديدة، جعلت القوى العالمية بما فيها الولايات المتحدة تعيد النظر في سياساتها العسكرية.

انطلق اليمن في عمليات إسناد غزة، والدفاع عن السيادة اليمنية من تجاوز معضلة فارق الإمكانات مع ما يملكه التحالف الأمريكي والغربي الصهيوني، ولم يرهن قرار مواجهة الغطرسة الأمريكية و”الإسرائيلية” إلى ما لديهم من سلاح بقدر ما كانت المعطيات الميدانية هي من تحدد حجم ونوع التحرك.

التحول البارز في مسار الاقتدار اليمني

أول دلالات عمليات الإسناد كانت تأكيد ثبات مبدأ المواجهة لقوى الطاغوت أمريكا و”إسرائيل”، كمشروع تحرري بعني كل الأمة، وثانيها، الخروج بالمواجهة من الحدود الجغرافية لليمن جنوبا إلى أطراف شبه الجزيرة شمالا حيث العدو الإسرائيلي يحتل الأراضي ويسوم أبناء الشعبين الفلسطيني واللبناني سوء العذاب.

تدرجت العمليات على خمس مراحل كانت تفرضها تطورات المواجهة وتصعيد العدو، فأخذت المراحل الخمس الاتجاه التصعيدي الذي فاجأ العالم من عمليات المرحلة الأولى، إلى المرحلة الخامسة باستهداف ما تسمى بـ”تل ابيب” بطائرة مسيّرة “يافا” في الـ19 من يوليو 2024م في حدث لم يشهد العالم مثله من قبل ضد “إسرائيل”، وكانت بمثابة صاعقة حلّت على الكيان.

قُتل في العملية مغتصبا إسرائيليا، وقالت صحيفة “كالكاليست’ العبرية حينها “إن كل براءة اختراع تمكن الرأس اليهودي من اختراعها والجيب اليهودي من شرائها اخترقتها طائرة يمنية بعملية ذكية”. لتتوالى بعدها العمليات وتطال كل مدن الكيان وأهم مؤسساته الحيوية والاستراتيجية”.

كما تم استهداف عاصمة العدو بالصاروخ الباليستي الفرط صوتي “فلسطين 2″، الذي استطاع أن يقطع نحو ألفي كيلومتر في 11 دقيقة ونصف الدقيقة، تجاوز خلالها أحزمة دفاعية جوية متعددة الطبقات، والمسميات من نوع “مقلاع داود”، و”حيتس 2″، و”حيتس، 3″ و”آرور” والمنظومة الأمريكية “ثاد”.

وحققت القوات المسلحة اليمنية بهذه العملية تحولا جديدا وبارزا في مسار الاقتدار اليمني، حيث ذكر متحدث القوات المسلحة في بيان أن العملية نُفذت بصاروخ باليستي جديد فرط صوتي نجح في الوصول إلى هدفه، واخفقت دفاعات العدو في اعتراضه والتصدي له، وقطع مسافة تقدر 2040 كم في غضون 11 دقيقة ونصف دقيقة، وتسببَ في حالةٍ من الخوفِ والهلعِ في أوساطِ الصهاينةِ حيث توجهَ أكثرَ من مِليوني صهيونيٍّ إلى الملاجئِ وذلك لأولِ مرةٍ في تاريخِ العدوِّ الإسرائيلي.

وصلت سرعة الصاروخ إلى 13 ماخ، أي ما يوازي 15000 كيلو متر في الساعة، وهذه قوة مفرطة لا تستطيع أي قوة دفاعية أو وسائل أو أجهزة أن تصطاده أو أن تصل إلى مستوى سرعته، حسب خبراء عسكريون. فأوصل الصاروخ رسالته الحاسمة بتطور السلاح اليمني بشكل كبير، وفاضح لقدرات العدو الدفاعية. وعلى إثر الكشف عن “فلسطين2″، دخل اليمن في قائمة الدول القليلة جدا التي تمتلك هذا النوع من الصواريخ. وقال خبراء: إن هذه النوعية من الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت تشكل تحديًا كبيرًا لأنظمة الدفاع الجوي لأنها تستطيع الإفلات من الرادارات مع تحليقها على أطوال موجية قصيرة وتحولها نحو مستويات أقل من موجات الرادار، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ بمسارها. لذلك، لا توجد حاليًا أنظمة دفاع جوي يُمكنها اعتراض هذه الصواريخ.

صواريخ يمنية مطورة برؤوس انشطارية

مئات الصواريخ أطلقها اليمن في عملياته الإسنادية بكل اقتدار إلى عمق الكيان، من صواريخ باليستية ومجنحة وصواريخ فرط صوتية، وانشطارية ذات رؤوس متعددة، وطائرات مسيّرة بعيدة المدى.

وكسرت الصواريخ اليمنية والطائرات المسيّرة هيبة الردع للقوة المزعومة لـ”إسرائيل”. وأوضح مراقبون أن الصواريخ اليمنية المطورة تحتوي على رؤوس انشطارية وقذائف هجومية، مما يجعل عملية اعتراضها معقدة للغاية، ويحول كل صاروخ إلى منصة صواريخ متعددة، مما يفقد العدو الإسرائيلي القدرة على مواجهة هذه التهديدات بشكل فعال.

وإلى جانب ما تسببت به الهجمات اليمنية من إغلاق لميناء أم الرشراش، كان السلاح اليمني زائرا دائما لمراكز حيوية عسكرية ومدنية داخل الكيان، من أبرزها كان قاعدة “نيفاتيم” الجوية، ومطار اللد أو “بن غوريون”. وقد رصدت مراكز للتحقق الإخباري أكثر من 40 حالة تعطل في هبوط رحلات دولية بالمطار، بعد تعليق عشرات الشركات لرحلاتها إلى كيان العدو، عقب إغلاق أجوائه بفعل الصواريخ التي تطلقها القوات المسلحة، وذلك خلال النصف الأول فقط من العام الماضي.

هذا فضلا عما تسببت به الهجمات من توقف لحركة القطارات وإتلاف أكثر من 300 متر من شبكة الكهرباء، مما يعكس نجاح الضربات في تحقيق أهدافها الميدانية واللوجستية، وقال موقع الحرب الأمريكي “ذا وور زون” إن القوات اليمنية تملك “ترسانة دفاع جوي ومسيرات تشكل تهديدا حقيقيا، كما يتضح من العدد المتزايد لعمليات إسقاط الطائرات الأمريكية المسيرة من طراز إم كيو-9 ريبر”.

مراحل الحصار حتى الخنق

ومثّل فرض الحصار البحري على الكيان في المرحلة الثانية من مراحل التصعيد، واحدا من أهم انجازات القوات المسلحة اليمنية في معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس”، وهو فعل اعتاد العالم أن تكون أمريكا فقط من يفرضه، فكسر اليمن هذا الاحتكار، ولكن في الاتجاه الإنساني، ففُرض حظرا على مرور السفن المتجهة إلى موانئ فلسطين المحتلة.

تلا ذلك استهداف مباشر للسفن المملوكة أو المُشغّلة من قبل شركات “إسرائيلية”، قبل توسيع نطاق العمليات في مرحلة التصعيد الثالثة لتشمل جميع السفن المرتبطة بالولايات المتحدة وبريطانيا، كرد على التدخل العسكري الغربي وتشكيلهم تحالفات لتحييد الجبهة اليمنية حمايةً للكيان الإسرائيلي.

تصاعدت التداعيات إثر ذلك على العدو، وبدأت حالة ميناء أم الرشراش بالانهيار، وتأخُّر سلاسل الإمداد وصولا إلى إغلاق الميناء بشكل كامل.

لم يُجدِ “التشنج” الأمريكي نفعاً مع الإصرار اليمني بفرض الحصار على حركة ملاحة العدو الإسرائيلي في البحر الأحمر حتى وقف العدوان على غزة ورفع الحصار عنها، ولم تحقق العمليات العسكرية والتحالفات متعددة الأجناس والامكانات ضد اليمن، أي اختراق للحصار، وصولا إلى إغلاق ميناء أم الرشراش وإعلان إفلاسه.

سفن تحترق وسفن تغرق

وإعمالا للقرار اليمني بحظر ملاحة العدو نفذت القوات المسلحة عشرات العمليات التي استهدفت السفن التابعة لثلاثي الشر أمريكا وبريطانيا و”إسرائيل”، وكل السفن التي حاولت كسر الحصار، وهو ما مثّل حدثا مرعبا صنع أزمة وتداعيات اقتصادية عالمية، ولفَت الانتباه إلى ما يتعرض له الفلسطينيين في غزة. ثم تأزم الموقف في البحر الأحمر مع غرق عدد من السفن المخالفة للقرار.

كانت أبرز السفن المستهدفة خلال العام 2024، السفينة البريطانية “مارلين لواندا” التي تم استهدافها بعدد من الصواريخ في خليج عدن، أسفرت عن احتراق السفينة، تلاها غرق السفينة البريطانية “روبيمار” بعد استهدافها بعدد من الصواريخ البحرية المناسبة في خليج عدن. كما أصيبت السفينة البريطانية “آيسلاندر” بعدد من الصواريخ البحرية في خليج عدن أدت إلى نشوب الحريق على متنها.

وكذا عملية اقتحام سفينة النفط اليونانية (سونيون) وتفجيرها في 29 أغسطس 2024 بعد مخالفتها لقرار اليمن بمنع مرور السفن إلى موانئ فلسطين المحتلة.

في يونيو من العام الماضي قال مدير ميناء أم الرشرارش “جدعون غولبر” “لا توجد حلول، لإعادة فتح الميناء، ومع ضعف دول التحالف في البحر الأحمر، نحن مستعدون أن ندفع فدية لـ”الحوثيين” مقابل العبور عبر باب المندب”.

النجاح اليمني في فرض الحصار، جاء كنتيجة طبيعية لسلسلة النجاحات التي حققتها القوات المسلحة في مسرح العمليات الممتد من البحر الأبيض المتوسط شمالاً مروراً بالبحرين الأحمر والعربي وصولاً إلى المحيط الهندي جنوباً.