وفاء اليمانيين مع الرسول يتجدد كل عام
لقد جسد هذا الحضور العظيم عمق ارتباط اليمنيين بدينهم وهويتهم الإيمانية، وأظهر صورًا عظيمة من التآخي والتلاحم المجتمعي، بمشاركة من مختلف المناطق والقبائل اليمنية والمكونات السياسية والمذاهب والطوائف الذين اجتمعوا على محبة رسول الله.
وهنا يتجسد معنى الحديث النبوي الشريف: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”، وما ارتبط في السيرة النبوية والتراث الإسلامي من فضائل أهل اليمن ومواقفهم المشرفة في نصرة الإسلام ورسول الله منذ البدايات الأولى للرسالة الإلهية.
وتمثل هذه الحشود تمسك أبناء شعبنا بالدين المحمدي الأصيل وبالهوية الإيمانية وثوابت الإيمان وأخلاق الإسلام ومبادئه، في وقت تواجه فيه الأمة خطر المشروع الصهيوني الذي يهدف إلى احتلال المنطقة واستباحتها برعاية أمريكية وبريطانية وغربية، ويمهد لتنفيذه أدواتهم في المنطقة من المنافقين العرب الساعين معهم إلى طمس هوية الشباب المسلم وتدجينه بالثقافات الخاطئة والمغلوطة والفساد الأخلاقي والانحراف، وإبعاد الأمة عن دينها ونبيها وقرآنها وأعلام هداها من آل البيت عليهم السلام.
ويعتبر أبناء شعبنا أن إرث الأجداد من الأنصار مسؤولية إيمانية تترجم في المواقف والأعمال في مواجهة قوى الطاغوت والاستكبار والنفاق، فالأنصار الذين ناصروا رسول الله – صلوات الله عليه وعلى آله – ووقفوا إلى جانب الرسالة الإلهية في بدايات انطلاقتها الأولى، تركوا للأحفاد نموذجًا مشرفًا في الإيمان والتضحية والثبات وتحمل المسؤولية.
ومن هذا المنطلق الإيماني الأصيل، تأتي مواقف أبناء شعبنا في نصرة الدين والمستضعفين وقضايا الأمة الأساسية والمركزية، وفي مقدمتها قضية الأمة الجامعة والعادلة (فلسطين وغزة)، فالمحبة لرسول الله – صلوات الله عليه وعلى آله – يجب أن تترجم إلى مواقف عملية تتجسد على أرض الواقع شدة وحزمًا وغلظة في مواجهة قوى الطاغوت والاستكبار والنفاق، كما قال تعالى: “يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم”.
وقد عبر أحرار وشرفاء اليمن عن صدق محبتهم لرسول الله ونصرتهم لدين الله والمستضعفين من عباده في معركة إسنادهم لطوفان الأقصى وغزة في مواجهة عدو الأمة اللدود، رغم ما يواجهه شعبنا من عدوان سعودي وأمريكي وحصار اقتصادي.
هذه المواقف تعد جزءًا من الهوية الإيمانية وموقفًا مبدئيًا ثابتًا في إطار المسؤولية الدينية تجاه الدين والمستضعفين وقضايا الأمة.
كما أن محاولات التضليل والتشويه والتقليل من شأن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، إلى جانب ما يتعرض له اليمن من عدوان وحصار، لم تستطع فصل المجتمع اليمني عن هويته الإيمانية، بقدر ما عززت لدى أبنائه التمسك بها وإظهارها بصورة أكثر قوة وفاعلية، وهذه المواقف ليست قابلة للمساومة مهما كان حجم العدوان والحصار وحملات التضليل والتشويه.
ولهذا، فإن الفرح بذكرى المولد النبوي الشريف هو فرح بنعمة الهداية والرسالة، وتعبير عن المحبة والتعظيم والارتباط برسول الله محمد – صلوات الله عليه وعلى آله – انطلاقًا من قوله تعالى: “قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا”، وفي الوقت ذاته فإن شعبنا الذي يواجه العدوان والحصار السعودي الأمريكي يؤكد في هذه المناسبة العظيمة موقفه المبدئي في مواجهة الاستباحة الأمريكية والصهيونية للمنطقة، انطلاقًا من إيمانه بالله ورسوله، واستحضارًا لشيم أجداده الأنصار التي خلدها التاريخ فيما خلده عنهم أنهم قوم: “يكثرون عند الفزع ويقلون عند الطمع”، أي أنهم يظهرون في مواطن الشدة ويبذلون أنفسهم وأموالهم لنصرة الدين والمستضعفين من عباد الله، ولا تثنيهم التهديدات ولا تغريهم المغريات ولا يتأثرون بالمصالح.
وهذا هو المعنى الذي يحرص أحفاد الأنصار على ترجمته اليوم على أرض الواقع في قيامهم بالمسؤولية أمام الله وأمام الأحداث التي تمر بها أمتنا في مواجهة الخطر الصهيوني.
وقد لخص القرآن الكريم معنى هذا الصدق والثبات بقوله تعالى: “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه”.
وهكذا ظل شعبنا منذ فجر الرسالة حاضرًا في ميادين العزة والكرامة وفي صفحات تاريخ الأمة المشرقة، واليوم يجدد أحراره وشرفاؤه هذا الإرث التاريخي الذي يربطهم برسول الله في ذكرى مولده، وهم يواجهون العدو الأمريكي الإسرائيلي البريطاني وأدواتهم من المنافقين، ليؤكدوا للعالم أجمع أن تاريخهم ومواقفهم الجهادية المشرفة وهويتهم الإيمانية تتجدد في كل زمان ومكان.
