تصعيد إيراني يواكبه حصار يمني يعمّق مأزق الكيان الصهيوني ويقيد خياراته العسكرية
محمد ناصر حتروش:
يتوهم الكيان الصهيوني وحليفه الأمريكي قدرتهما على التفرد بحزب الله من خلال تصعيد الاعتداءات العسكرية ومحاولة حصر ساحة المواجهة ضمن الجبهة اللبنانية، في مسعى لفصل جبهات محور المقاومة وتفكيك معادلة “وحدة الساحات”. غير أن الرد الإيراني الحازم، وما تبعه من رد يمني استهدف عمق الكيان الصهيوني، يسهم بشكل لافت في كبح هذا التوجه، ويدفع الكيان الصهيوني إلى وقف تصعيده، بعدما أيقن بصعوبة تحقيق هدف التفرد بأي ساحة دون أخرى.
ويرى خبراء عسكريون أن العمليات العسكرية اليمنية الإيرانية فرضت واقعاً ميدانياً جديداً، يجبر الكيان الصهيوني والولايات المتحدة على إعادة حساباتهما بدقة، في ظل تنامي مؤشرات على أن أي خطوة عدائية جديدة قد تنعكس بنتائج عكسية على الأطراف المعتدية، وتفتح المجال أمام اتساع رقعة المواجهة بصورة أكبر.
في السياق يؤكد الخبير العسكري العميد مجيب شمسان أن دخول القوات المسلحة اليمنية وإعلانها فرض الحصار الكامل على الملاحة الإسرائيلية وإغلاق عبور السفن التابعة للكيان الصهيوني في البحر الأحمر ومضيق باب المندب يترتب عليه العديد من التداعيات على الكيان الصهيوني، لا سيما في ظل الحصار الإيراني على السفن التابعة للولايات المتحدة والأطراف المعتدية على إيران في مضيق هرمز، إضافة إلى ما تعرضت له بعض المنشآت الأمريكية في المنطقة.
ويوضح العميد مجيب شمسان في حديث خاص لموقع أنصارالله أن هذه المعطيات تجعل تأثيرات إغلاق مضيق باب المندب أكبر بكثير مقارنة بالفترات السابقة خلال عمليات الإسناد اليمني لغزة، مشيراً إلى محاولات بعض الدول المتحالفة أو المطبّعة مع الكيان الصهيوني، كالإمارات والسعودية، لتعويض النقص الناتج عن الحصار اليمني عبر ممر بري يمر من الإمارات والسعودية والأردن وصولاً إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويشير إلى أن التطورات المرتبطة بالحرب على إيران والرد الإيراني وما ترتب عليها من انعكاسات على بعض الأطراف الإقليمية، ستضاعف من تأثير الحصار على الكيان الصهيوني، في ظل تزامنه مع الحصار المفروض على مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة والضغط على الاقتصاد العالمي.
ويلفت إلى أن الانتقال إلى فرض الحصار على الكيان الصهيوني في مضيق باب المندب يمثل مؤشراً على تصعيد محتمل، في حال استمرار العدوان الأمريكي على لبنان وفلسطين وإيران، لافتاً إلى أن وتيرة التصعيد قد تصل إلى فرض حصار على السفن الأمريكية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
ويبين أن هذه التطورات تأتي في سياق اعتبار أن الكيان الصهيوني والولايات المتحدة يشكلان طرفاً واحداً، ما يفسر طبيعة التحركات اليمنية ضمن محور المقاومة، مؤكداً أن عمليات الإسناد اليمنية لغزة خلال الفترات الماضية أظهرت آثاراً كبيرة، من بينها تداعيات اقتصادية وتعطيل سلاسل التوريد التي يعتمد عليها الكيان الصهيوني، خاصة في ظل اعتماده الكبير على النقل البحري عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب باعتباره أقصر طرق الشحن.

ويشدد العميد مجيب شمسان على أن تراكم هذه العمليات منذ عام 2023 مروراً بعام 2024 وصولاً إلى نهاية 2025، ومع عودة القرار اليمني في ظل التطورات الراهنة، سيؤدي إلى تأثيرات كبيرة ومتزايدة على الكيان الصهيوني، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاستراتيجي.
وينوه إلى أن المضايق البحرية تحولت إلى أدوات ضغط استراتيجية على الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، في إطار صراع أوسع في المنطقة، لافتاً إلى أن هذه التحولات ستنعكس أيضاً على الجانب الاقتصادي العالمي، وستشكل ضغطاً على الولايات المتحدة التي طالما قدمت نفسها كضامن لأمن الملاحة الدولية.
ويختتم العميد مجيب شمسان حديثه بالتأكيد على أن الكيان الصهيوني يواجه أزمة في خياراته العسكرية تجاه الجبهة اليمنية، في ظل تحديات تتعلق بنقص المعلومات الاستخباراتية والعوائق الجغرافية، إلى جانب تنامي القدرات الدفاعية اليمنية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويدفعه للبحث عن بدائل، من بينها محاولة تحريك أدواته في الداخل.

بدوره يؤكد الخبير العسكري اليمني العميد عبدالغني الزبيدي أن رد الفعل اليمني يأتي قوياً ومؤثراً، لا سيما من حيث توقيته ودلالاته وحجمه، مشيراً إلى أن ما جرى يتمثل في إطلاق دفعة من الصواريخ، إلى جانب إغلاق مضيق باب المندب أمام السفن الإسرائيلية.
ويوضح في حديث خاص لموقع أنصارالله أن هذا التطور يحمل دلالة واضحة على أن اليمن يشكل جزءاً من هذه المعركة، ومن هذا الفعل الكبير الذي يثبت وحدة جبهات المقاومة، لافتاً إلى أن هذه الرسالة أصبحت اليوم أكثر وضوحاً.
ويشير إلى أن الجانب الإسرائيلي يتلقى هذه التطورات بشيء من الاستغراب والاندهاش، فالتدخل اليمني يأتي في توقيت ذي دلالات سياسية وجيوسياسية في المنطقة، ما يؤكد أن اليمن أصبح جزءاً من هذه المعادلة الكبرى، لمواجهة الغطرسة والعنجهية الإسرائيلية.
ويلفت إلى أن دخول القوات المسلحة اليمنية في هذه المعركة يضع الإسرائيليين أمام مأزق كبير، خصوصاً مع أهمية التوقيت الذي جاء فيه هذا التدخل، والذي فاجأ الجانب الإسرائيلي بإطلاق الصواريخ وإغلاق مضيق باب المندب.
ووفقاً للزبيدي فإن هذه التطورات تأتي في وقت لا يزال فيه الإسرائيليون يعانون من تداعيات ما جرى خلال عملية “طوفان الأقصى”، وإغلاق المضيق سابقاً أمام حركة التجارة الإسرائيلية، ما يضاعف من حجم التحديات التي يواجهونها.

وتمكن أهمية الرد الإيراني على الاعتداءات الأمريكية الإسرائيلية في كونها أثبتت للكيان الصهيوني أن الجمهورية الإسلامية مازالت في أوج قوتها وأن الاعتداء الأمريكي والصهيوني عليها لم يسهم في تدمير قدراتها العسكرية كما كان يحلم به الأعداء لتترجم بالنار أنها مازلت حاضرة بقوة ليس في الدفاع عن نفسها وحسب وإنما في الدفاع عن حلفائها في المنطقة بالكامل مؤكدة على خصوصية وحدة الساحات كخطوط حمراء لا يمكن التنازل عنها.
وحول هذه الشأن يرى الخبير العسكري اللبناني العميد نضال زهوي أن الموجات الصاروخية التي انطلقت من طهران ومن الأراضي الإيرانية من أكثر من اتجاه، تهدف إلى تشتيت الجهد الدفاعي للكيان الصهيوني، مؤكداً أنها تصل بالفعل إلى العمق الإسرائيلي وتشكل ردة فعل على التهديدات الإيرانية السابقة، في سياق حماية الضاحية الجنوبية.
ويوضح في حديثه لموقع أنصارالله أن هذه الضربات تأتي أيضاً في إطار الإسناد للضاحية الجنوبية، حيث تمثل نقطة محورية في تثبيت وحدة الساحات على المستوى الاستراتيجي، مبيناً أن هذا التثبيت لا يؤدي فقط إلى إرباك وتشكيك الجهد الدفاعي الإسرائيلي، بل يسهم كذلك في تعزيز موقع المقاومة اللبنانية.
ويشير إلى أن هذا التعزيز ينعكس على مستويات متعددة، سواء في العلاقات مع الدول الإقليمية أو في مسار المفاوضات الجارية بين لبنان والكيان الصهيوني في واشنطن، لافتاً إلى أن هذه العمليات تأتي في مرحلة دقيقة وحساسة للغاية.
ولفت إلى أن وحدة الجبهات لا تقتصر على الساحة اللبنانية، بل تمتد لتشمل الجبهة اليمنية، التي تحمل بدورها بعداً استراتيجياً مهماً، خاصة في ظل إعلان اليمن إغلاق البحر الأحمر أمام الملاحة الإسرائيلية، مع تأكيد أن هذه العمليات تتجه نحو التصاعد.
ويتطرق إلى أن هذا التصعيد يعني أن إغلاق باب المندب يمكن أن يحدث في أي لحظة في حال استمرار العدوان الإسرائيلي، الأمر الذي سيؤدي إلى نتيجتين أساسيتين، أولاهما تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية نتيجة تعطيل جزء كبير من سلاسل إمداد النفط، والثانية التأثير المباشر على الاقتصاد الأمريكي.
ويفيد أن الولايات المتحدة تواجه تحدياً إضافياً يتمثل في تراجع احتياطيها الاستراتيجي من النفط، وفق معطيات وزارة الخزانة الأمريكية، ما يفرض عليها إعادة تعبئته، الأمر الذي يجعلها مضطرة لإبرام اتفاق في هذه المرحلة الحرجة.
وينوه إلى أن دخول إيران ومحور المقاومة في هذه المعادلة يتم مع قناعة بأن الولايات المتحدة لن تنخرط في المعركة بسهولة، وهو ما يجعل موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكثر تعقيداً.
ويخلص زهوي إلى أن هذه التطورات تدفع واشنطن إلى التعاطي مع الملف اللبناني برؤية مختلفة، مؤكداً أن مسار المفاوضات الجارية يصب اليوم بشكل أكبر في مصلحة المقاومة مقارنة بما كان عليه في بداياته.
.jpg)
من جهته يوضح الخبير العسكري اللبناني العميد أكرم سيروي أن الضربة الصهيونية على ضاحية بيروت تأتي بالتنسيق مع الولايات المتحدة، كما أعلن عنه العدو الإسرائيلي ، ما يعني أنها لا تندرج ضمن استهداف محدود، بل تحمل أبعاداً أوسع ترتبط بمحاولة تثبيت معادلة مستوطنات الشمال مقابل بيروت، إضافة إلى السعي لفصل المسارين اللبناني والإيراني، وتكريس حرية الحركة الإسرائيلية في مناطق الجنوب.
ويبين في حديثه لموقع أنصارالله أن هذه الخطوة تهدف إلى توسيع نطاق الاعتداءات الصهيونية على قرى ومدن الجنوب دون مواجهة رد من حزب الله على الداخل العبري ، وهو ما يرفضه الحزب، مشيراً إلى أن الكيان يسعى من خلالها لإرسال عدة رسائل، أبرزها استعداده لتوسيع دائرة عملياته واستخدام القوة المفرطة، وتحميل اللبنانيين، خصوصاً البيئة الحاضنة للمقاومة، كلفة كبيرة.
ويشير إلى أن الرسالة الثانية موجهة إلى الدولة اللبنانية، ومفادها ضرورة الالتزام بتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار كما أعلن في واشنطن، وإلا فإن “إسرائيل” ستصعّد عمليات القصف، وهو ما يظهر من خلال استهداف مباشر للجيش اللبناني.
ويضيف أن الرسالة الثالثة موجهة إلى واشنطن، حيث تؤكد “إسرائيل” تمسكها بحرية الحركة، في ظل الضغوط الداخلية التي يواجهها “رئيس وزراء” الكيان نتنياهو، خاصة بعد المكالمة مع الرئيس الأمريكي المجرم ترامب التي حالت دون تنفيذ تهديدات سابقة بقصف بيروت.
ويؤكد أن قوات العدو إلإسرائيلي تعمل على منع أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، وتسعى عبر الساحة اللبنانية إلى إعادة تفجير الحرب، ولكن بطريقة لا تبدو تحدياً مباشراً لواشنطن، إنما من خلال استفزاز إيران ودفعها إلى رد يتيح للكيان استئناف ضرباته ضدها، بما ينسجم مع توجهات نتنياهو لاستكمال الحرب التي توقفت خلافاً لرغبته.
ويبين أن الاحتلال الصهيوني يحاول فرض معادلات جديدة تتجاوز ما بعد اتفاق تشرين الأول 2024، عبر الضغط على الدولة اللبنانية لمنع حزب الله من إطلاق النار، مقابل استمرار العمليات الإسرائيلية، إضافة إلى نشر الجيش اللبناني في ما يسمى مناطق تجريبية يتم فيها مصادرة أسلحة المقاومة تحت إشراف أمريكي وصهيوني.
ويشير إلى أن الضربة على الضاحية، رغم محدوديتها من حيث الحجم، تحمل مفاعيل كبيرة، كونها تسعى إلى تكريس معادلات ميدانية جديدة لصالح الكيان ، كما تشكل محاولة لاستدراج رد من حزب الله لتبرير عمليات أوسع، في ظل انزعاج إسرائيلي من القيود التي فرضها ترامب.
ويفيد أن الكيان الصهيوني لا يسعى إلى اتفاق أمني مع لبنان بقدر ما يسعى لفرض شروط تضمن حرية حركته واستمرار احتلاله للبنان وربط أي انسحاب بنزع سلاح حزب الله، وهو ما يرفضه الحزب، ما يضع الدولة اللبنانية أمام معادلة معقدة.
ويرى أن الضربة تمثل انقلاباً على التفاهمات السابقة، وإعادة للمفاوضات إلى نقطة الصفر، في ظل تطورات متسارعة تشمل دخول إيران على خط المواجهة عبر ضربات وصفت بأنها ضمن سقف رمزي، مع احتمال تصعيدها إذا استمرت “إسرائيل” في استهداف بيروت.
ويختتم سيروي بالقول إن ما يجري يمثل شكلاً من أشكال التفاوض بالنار بين الولايات المتحدة والكيان الغاصب من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى، مشيراً إلى أن تعثر مسار المفاوضات الجارية، والتلويح الأمريكي بالعودة إلى الحرب، يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات، تتراوح بين استمرار الضربات المحدودة والعودة إلى التهدئة، أو التصعيد نحو مواجهة أوسع قد تشمل استهداف منشآت الطاقة الإيرانية وتوسيع نطاق الحرب في المنطقة.
