تحليل | أنس القاضي

مقدمة

شهد العالم العربي منذ منتصف القرن العشرين صراعاً واسعاً حول شكل الدولة العربية ووظيفتها وموقعها داخل النظام الدولي. لم يكن الصراع مجرد تنافس بين حكومات أو خلافات سياسية عابرة، بل مواجهة تاريخية بين مشروعين متناقضين؛ الأول سعى إلى بناء دول عربية مستقلة تمتلك قرارها السياسي واقتصادها الوطني، وتتبنى التصنيع والإصلاح الاجتماعي والوحدة العربية والتحرر من الهيمنة الغربية، فيما قام الثاني على تثبيت أنظمة ملكية رجعية مرتبطة بالنفط والتحالف مع الولايات المتحدة وبريطانيا، وتخشى انتقال المد الثوري إلى داخلها.

ومن المفارقة أن القوى التي وقفت تاريخياَ ضد المشروع العربي التحرري النهضوي ترفع اليوم شعار “القضية العربية والقومية العربية”، في مواجهة إيران المعادية للإمبريالية، وفي وجه قوى المقاومة العربية التي هي جزء من حركة التحرر الوطنية العربية وتعبير جديد عن موقف الشعوب العربية في رفض  الاحتلال والهيمنة الاستعمارية.

في السياق التاريخي، مثلت السعودية ودول الخليج مركز الثقل المالي والسياسي للمشروع المحافظ العربي، مستفيدة من الثروة النفطية الضخمة والتحالف العميق مع الغرب، ومن قدرتها على توظيف الدين والإعلام والمال لإعادة تشكيل المجال العربي سياسياً وثقافياً. ومع مرور الوقت، لم يعد دور الخليج مقتصراً على حماية أنظمته الداخلية، بل تحول إلى مشروع إقليمي واسع هدفه احتواء الحركات القومية واليسارية والجمهورية التي صعدت في مصر واليمن والعراق وسوريا وفلسطين وجنوب اليمن ولبنان..إلخ

من هذه الزاوية، لا يظهر النظام العربي الراهن بوصفه نتيجة طبيعية لمسار تاريخي محايد، بل حصيلة صراع طويل انتهى بتراجع مشاريع التحرر العربية وصعود النظام النفطي المحافظ بوصفه القوة الأكثر تأثيراً في المجال العربي؛ فخلال العقود الماضية، انتقل مركز الثقل من القاهرة ودمشق وبغداد وعدن إلى الرياض والخليج، وتغير الخطاب العربي من الحديث عن الوحدة والتحرر والتصنيع إلى خطاب الأمن والاستقرار والأسواق والاستثمارات والتحالف مع الغرب.

الحرب العربية الباردة وصدام المشروعين

مثّل صعود جمال عبد الناصر بعد ثورة يوليو 1952م لحظة مفصلية في التاريخ العربي الحديث؛ فقد حمل المشروع الناصري تصوراً مختلفاً لطبيعة الدولة العربية ودورها، يقوم على التحرر من الهيمنة الغربية، وبناء قطاع عام قوي، وإجراء إصلاحات اجتماعية واسعة، ودعم حركات الاستقلال العربية، والسعي إلى الوحدة العربية بوصفها شرطاً للاستقلال والتنمية ومواجهة إسرائيل.

أثار هذا المشروع قلقاً عميقاً لدى السعودية والملكيات الخليجية؛ فبالنسبة للرياض، لم يكن عبد الناصر مجرد زعيم عربي منافس، بل مشروعاً سياسياً يهدد البنية التقليدية للأنظمة الملكية نفسها، ومع تصاعد الخطاب القومي والثوري داخل المنطقة العربية، بدأت المخاوف الخليجية تتزايد من انتقال الأفكار الجمهورية واليسارية إلى داخل الخليج، خصوصاً إلى المناطق النفطية التي شهدت نشاطاً عمالياً وسياسياً مبكراً.

في تلك المرحلة انقسم العالم العربي بين معسكر الجمهوريات القومية المدعومة شعبياً، ومعسكر الملكيات الرجعية المرتبطة بالغرب، دعمت مصر حركات التحرر في الجزائر واليمن والخليج وفلسطين، بينما تحركت السعودية لبناء جبهة عربية مضادة تعتمد على المال والنفوذ الديني-الوهابي والتحالف مع الولايات المتحدة وبريطانيا.

لم يكن النفط منفصلاً عن هذا الصراع، بل كان في قلبه؛ فالدعوات القومية إلى “تحرير النفط” وتأميم الثروات العربية مثّلت تهديداً مباشراً للنظام الخليجي القائم على الشراكة الأمنية مع الغرب، ولهذا اعتبرت واشنطن ولندن أن حماية السعودية والخليج جزء من حماية النظام الاقتصادي الغربي نفسه، خصوصاً في ظل الحرب الباردة والصراع مع الاتحاد السوفيتي.

تجربة التعامل مع اليمن 1962م

بلغ الصدام ذروته في اليمن بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م، حين تحولت البلاد إلى ساحة مواجهة مباشرة بين المشروعين العربيين، دعمت مصر الجمهورية الوليدة عسكرياً وسياسياً، وأرسلت عشرات الآلاف من الجنود لدعم النظام الجمهوري، فيما موّلت السعودية الملكيين وسلحتهم وفتحت لهم الحدود ومنعت سقوطهم الكامل.

لم تكن القضية اليمنية بالنسبة للرياض مجرد ملف حدودي أو خلاف سياسي محدود، بل معركة تتعلق بمستقبل الجزيرة العربية كلها؛ فقيام جمهورية ثورية على حدود السعودية الجنوبية، مرتبطة بعبد الناصر وتحمل خطاباً قومياً راديكالياً، كان يُنظر إليه باعتباره تهديداً مباشراً للاستقرار الداخلي الخليجي وإمكانية انتقال العدوى الثورية إلى المنطقة.

في المقابل، رأى عبد الناصر أن اليمن تمثل بوابة لتغيير التوازن السياسي داخل الجزيرة العربية، وأن نجاح الجمهورية هناك سيؤدي إلى إضعاف النفوذ البريطاني والخليجي في المنطقة، ولهذا تحولت الحرب اليمنية إلى واحدة من أكثر ساحات الحرب العربية الباردة استنزافاً وتعقيداً.

أسهمت الحرب في إنهاك مصر عسكرياً واقتصادياً، واستنزفت جزءاً كبيراً من قدرات الجيش المصري قبل هزيمة 1967م، كما كشفت قدرة السعودية، بفضل المال والتحالفات الإقليمية والدعم الغربي، على تعطيل المشاريع الجمهورية حتى في مواجهة قوة إقليمية كبرى مثل مصر الناصرية.

منذ تلك اللحظة، بدأ يتشكل نمط ثابت في السياسة الخليجية، وهو استخدام المال والتحالفات القبلية والدينية والحروب بالوكالة لمنع صعود أي مشروع عربي جذري في محيط الخليج والجزيرة العربية.

نموذج التعامل مع: حركة القوميين العرب

إذا كانت الناصرية تمثل مشروع دولة ثورية تقوده القاهرة، فإن “حركة القوميين العرب” مثّلت النسخة الأكثر راديكالية وتنظيماً من المشروع القومي العربي العابر للحدود، انطلقت الحركة من الجامعة الأمريكية في بيروت أواخر الأربعينيات بقيادة جورج حبش ووديع حداد، ورفعت شعارات الوحدة العربية والتحرر من الاستعمار ومقاومة الصهيونية، قبل أن تتجه لاحقاً نحو اليسار الماركسي بعد هزيمة 1967م.

رأت السعودية في هذه الحركة تهديداً أخطر من الناصرية نفسها، لأن مشروعها لم يكن يهدف فقط إلى تغيير موازين القوى بين الدول العربية، بل إلى إسقاط الأنظمة الملكية الرجعية من الداخل. ولهذا تعاملت الرياض مع نشاط الحركة داخل الخليج بوصفه تهديداً أمنياً وجودياً.

برز ذلك بوضوح في تجربة “اتحاد الشعب في الجزيرة العربية”، وهو الفرع السعودي المرتبط بحركة القوميين العرب، قاد التنظيم إضرابات عمالية داخل شركة أرامكو، ونجح في بناء خلايا تنظيمية داخل المنطقة الشرقية، كما اتجه لاحقاً نحو العمل الفدائي المسلح ضد الدولة السعودية خلال الستينيات.

شكّلت هذه التحركات صدمة حقيقية للنظام السعودي، لأن الصراع لم يعد يدور في القاهرة أو صنعاء أو بيروت، بل انتقل إلى قلب الاقتصاد النفطي السعودي نفسه، ولهذا جاء الرد شديد القسوة؛ اعتقالات واسعة، وإعدامات علنية، وتفكيك شامل للخلايا المرتبطة بالحركة، بالتوازي مع بناء أجهزة أمنية أكثر تنظيماً وقدرة على المراقبة والسيطرة.

في الوقت نفسه، لم تكتف السعودية بالمواجهة الداخلية، بل دخلت في صراع إقليمي واسع ضد الحركات المرتبطة بالقوميين العرب، ففي جنوب اليمن، دعمت الرياض القوى المعادية للجبهة القومية والدولة الماركسية الوليدة في عدن، كما شاركت، إلى جانب بريطانيا وإيران الشاه والأردن، في دعم السلطان قابوس ضد ثورة ظفار في سلطنة عُمان، خوفاً من تحول جنوب الجزيرة العربية إلى قاعدة ثورية يسارية ممتدة نحو الخليج.

امتد الصراع أيضاً إلى الساحة الفلسطينية، فمع تحول الفرع الفلسطيني لحركة القوميين العرب إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش، انحازت السعودية بصورة واضحة إلى حركة فتح بقيادة ياسر عرفات، باعتبارها أكثر قابلية للاحتواء السياسي والمالي، في مواجهة الفصائل اليسارية التي تبنت خطاباً ثورياً معادياً للأنظمة الخليجية والغرب معاً.

في هذه المرحلة، بدأ يتبلور التحالف المحافظ الذي ضم السعودية والأردن وإيران الشاه، بدعم أمريكي وغربي مباشر، بهدف منع انتشار الحركات الثورية والقومية واليسارية داخل المنطقة العربية والخليجية، ولم يكن الدين بعيداً عن هذه المواجهة، بل تحول إلى أحد أهم أسلحتها السياسية والأيديولوجية.

توظيف الوهابية في مواجهة القومية واليسار

منذ ستينيات القرن العشرين، لم تعتمد السعودية والخليج على المال والتحالفات الغربية وحدها في مواجهة المشاريع القومية واليسارية، بل جرى بناء خطاب ديني واسع هدفه نزع الشرعية عن تلك المشاريع وتقديمها بوصفها تهديداً للإسلام والمجتمع المحافظ، وفي هذا السياق، تحولت الوهابية والمؤسسات الدينية المرتبطة بها إلى أداة سياسية وأيديولوجية مركزية في الحرب ضد القومية العربية والاشتراكية والحركات الثورية.

جرى تصوير القوميين واليساريين العرب بوصفهم “ملحدين” أو “أعداء الدين”، فيما قدمت السعودية نفسها باعتبارها حامية الإسلام السني والعالم الإسلامي، وتوسعت الجامعات الدينية والمراكز الإسلامية- الوهابية والجمعيات الدعوية و”الخيرية” الممولة خليجياً داخل العالم العربي وخارجه، وجرى تمويل آلاف الدعاة والمدارس والمساجد التي حملت خطاباً معادياً للقومية والاشتراكية وأفكار التحرر الاجتماعي.

لم يكن هذا التحول دينياً خالصاً، بل جزءاً من إعادة تشكيل الوعي العربي نفسه؛ فبعد أن كان الخطاب السائد في الخمسينيات والستينيات يدور حول الوحدة العربية والتحرر والتنمية والتصنيع، بدأ المجال الثقافي والسياسي العربي يتحول تدريجياً نحو خطاب الهوية الدينية والطائفة والأسواق والتحالف مع الغرب.

برز هذا المسار بصورة أوضح خلال الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي في الثمانينيات، حين تحولت السعودية، بالشراكة مع الولايات المتحدة وباكستان، إلى مركز أساسي لتجنيد وتمويل الجماعات الإسلامية المسلحة. جرى تقديم الحرب بوصفها “جهاداً إسلامياً” ضد الشيوعية، فيما استخدمت واشنطن والرياض هذا المسار لضرب النفوذ السوفيتي واحتواء الحركات اليسارية والقومية التي كانت لا تزال تمتلك حضوراً داخل العالم العربي.

لاحقاً، لم يقتصر أثر هذا التوظيف الديني-الوهابي على مواجهة اليسار، بل ساهم في إعادة تشكيل المجال السياسي العربي كله، حيث تراجع حضور الأحزاب القومية والاشتراكية والنقابات والحركات الطلابية، مقابل صعود واسع للتيارات الإسلامية الرجعية التي أصبحت جزءاً من التوازنات الجديدة للنظام العربي المحافظ.

النفط واعادة تشكيل المجال العربي

مع الطفرة النفطية بعد 1973م، دخلت السعودية والخليج مرحلة جديدة من النفوذ الإقليمي، إذ لم يعد النفط مجرد مصدر ثروة اقتصادية، بل تحول إلى أداة لإعادة تشكيل المجال العربي سياسياً واقتصادياً وثقافياً وإعلامياً.

في تلك المرحلة، كانت مراكز الثقل التقليدية في العالم العربي تعيش حالة تراجع عميقة؛ فمصر خرجت منهكة بعد هزيمة 1967م ثم اتجهت لاحقاً في عهد السادات نحو التسوية مع “إسرائيل” والانفتاح الاقتصادي، بينما دخل العراق وسوريا في صراعات داخلية وإقليمية طويلة، وتعرضت القوى القومية واليسارية لحملات قمع وتفكك وانقسامات متزايدة. في المقابل، امتلكت السعودية والخليج فوائض مالية ضخمة مكّنتهما من التوسع داخل المجال العربي وملء الفراغ السياسي والاقتصادي الذي تركه تراجع الجمهوريات القومية.

جرى توظيف المال النفطي في إعادة صياغة التوازنات العربية عبر المساعدات والهبات والودائع والاستثمارات، إضافة إلى تمويل الإعلام ودعم القوى الرجعية والتأثير في النخب السياسية والثقافية والدينية، ومع الوقت، لم يعد النفوذ الخليجي قائماً فقط على الثروة، بل على القدرة على توجيه القرار السياسي والاقتصادي في عدد واسع من الدول العربية المرتبطة بالمساعدات أو التحويلات أو الاستثمارات الخليجية.

تدريجياً، انتقل مركز الثقل العربي من الدول التي رفعت شعارات التحرر والتصنيع والتنمية المستقلة إلى دول النفط والمال والأسواق، كما تحولت أجزاء واسعة من الاقتصادات العربية من مشاريع إنتاجية وصناعية مرتبطة بالدولة الوطنية إلى اقتصادات تعتمد بصورة متزايدة على التحويلات والاستثمارات الريعية والاستهلاك والاستيراد.

ساهمت العمالة العربية داخل الخليج في تعميق هذا التحول؛ فملايين العمال من مصر واليمن والسودان ودول عربية أخرى أصبحوا مرتبطين بأسواق العمل الخليجية، ما منح السعودية والخليج قدرة كبيرة على التأثير في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لتلك الدول، خصوصاً مع اعتماد ملايين الأسر العربية على التحويلات القادمة من الخليج.

في الوقت نفسه، توسع النفوذ الخليجي داخل الإعلام العربي بصورة غير مسبوقة، وظهرت شبكات إعلامية ضخمة أعادت تشكيل الخطاب السياسي والثقافي العربي، ومع مرور الوقت، تراجع خطاب التحرر والوحدة والعدالة الاجتماعية لمصلحة خطاب جديد يركز على الأمن والاستقرار والأسواق والاستهلاك ومكافحة “التطرف”، بالتوازي مع صعود واسع للثقافة الريعية والاستهلاكية داخل المجال العربي.

بهذا المعنى، لم يعد النفط مجرد مصدر دخل اقتصادي، بل تحول إلى أداة لإعادة تشكيل البنية السياسية والثقافية والاقتصادية للعالم العربي، ونقل مركز القرار والنفوذ من الجمهوريات التقدمية إلى النظام الخليجي المحافظ المرتبط بالتحالف الغربي.

احتواء مصر بعد عبد الناصر

مثّلت مصر الحالة الأوضح في انتقال العالم العربي من مشروع التحرر القومي إلى النظام العربي المحافظ المرتبط بالنفط والتحالف مع الولايات المتحدة؛ فبعد وفاة جمال عبد الناصر، دخلت مصر في عهد أنور السادات مرحلة سياسية واقتصادية جديدة قامت على الانفتاح الاقتصادي، والتقارب مع واشنطن، ثم توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع “إسرائيل” عام 1978م، ما أنهى عملياً موقع مصر بوصفها مركز المشروع القومي العربي الذي تشكل خلال الخمسينيات والستينيات.

في البداية، أدى توقيع الاتفاقية إلى صدام واسع بين القاهرة وعدد من الدول العربية، وجرى تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية، لكن السعودية والخليج توصلا تدريجياً إلى قناعة بأن مصر المرتبطة بالنظام الأمريكي والخليجي أقل خطورة من مصر الناصرية التي قادت مشاريع الوحدة العربية والتأميم ودعمت الحركات الثورية في المنطقة، ومنذ تلك المرحلة، بدأ المال الخليجي يتحول من أداة لمواجهة القاهرة إلى أداة لاحتوائها وربطها بالنظام العربي المحافظ الجديد.

خلال عهد حسني مبارك، تعمقت هذه العلاقة بصورة أكبر، إذ أصبحت مصر تعتمد بشكل متزايد على المساعدات الخليجية وتحويلات العمالة والاستثمارات والقروض، بالتوازي مع تراجع دور القطاع العام وتوسع الاقتصاد الريعي والاستهلاكي. وفي المقابل، تراجع موقع مصر بوصفها مركزاً لمشروع عربي مستقل، وتحولت تدريجياً إلى جزء من التوازنات السياسية والاقتصادية التي تقودها السعودية والخليج بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

كما لعبت العمالة المصرية في الخليج دوراً مهماً في هذا التحول؛ فملايين المصريين الذين اتجهوا إلى السعودية والخليج منذ السبعينيات أصبحوا جزءاً من علاقة اقتصادية واجتماعية واسعة ربطت الاقتصاد المصري بتحويلات الخارج وسوق العمل الخليجي، ما منح الرياض والخليج قدرة متزايدة على التأثير في الاستقرار الاقتصادي المصري.

بعد عام 2013م، دخلت العلاقة مرحلة أكثر وضوحاً ومباشرة، حين لعبت السعودية والإمارات دوراً رئيسياً في دعم السلطة الجديدة بقيادة عبد الفتاح السيسي عبر مليارات الدولارات من الودائع والمنح والوقود والاستثمارات، لمنع انهيار الاقتصاد المصري وتثبيت النظام الجديد. ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية لاحقاً، بدأت العلاقة تأخذ طابعاً مختلفاً، لم يعد قائماً فقط على الدعم المالي المباشر، بل على توسيع النفوذ الخليجي داخل الاقتصاد المصري عبر شراء الأصول والموانئ والأراضي والمشاريع الاستراتيجية.

بهذا المعنى، لم يعد المال النفطي مجرد وسيلة دعم اقتصادي أو أداة نفوذ سياسي عابر، بل تحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل القرار السياسي والاقتصادي في واحدة من أهم الدول العربية، وربطها بصورة متزايدة بالنظام الخليجي المحافظ والتحالفات الإقليمية المرتبطة به.

من التحرر العربي إلى الاستقرار المحافظ

مع نهاية القرن العشرين، كان العالم العربي قد شهد تحولاً عميقاً في أولوياته السياسية والثقافية، تراجع خطاب الوحدة العربية والتحرر والتنمية والعدالة الاجتماعية، وصعد بدلاً منه خطاب “الاستقرار” و”الأمن” و”مكافحة التطرف” و”جذب الاستثمار”، وتجاور مع خطاب المذهب والطائفة.

ارتبط هذا التحول بصعود النظام النفطي المحافظ وهيمنة الاقتصاد الريعي والتحالفات الغربية على المجال العربي، لم تعد القضية الفلسطينية أو مشاريع التصنيع والتنمية المستقلة تمثل مركز الخطاب الرسمي العربي كما في الخمسينيات والستينيات، بل أصبحت الأولوية لحماية الأنظمة واستقرار الأسواق والانخراط في النظام الاقتصادي العالمي.

في هذا السياق، جرى تقديم الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأساسي للأمن الخليجي والعربي، وتحولت القواعد العسكرية الأمريكية إلى جزء ثابت من بنية المنطقة بعد حرب الخليج 1990م، حين دخل الوجود العسكري الأمريكي المباشر مرحلة غير مسبوقة.

لاحقاً، ومع تصاعد النفوذ الإيراني بعد غزو العراق 2003م، بدأ التقاطع السعودي الإسرائيلي يظهر بصورة أوضح تحت عنوان “الخطر الإيراني”، وهكذا انتقل جزء كبير من النظام العربي من مرحلة العداء العلني لإسرائيل إلى مرحلة التنسيق الأمني والسياسي غير المعلن، ثم إلى التطبيع المباشر لاحقاً.

خاتمة

لم يتشكل النظام العربي الحالي بصورة عفوية أو نتيجة تطور طبيعي هادئ، بل عبر صراع طويل امتد منذ خمسينيات القرن العشرين بين مشاريع التحرر العربية من جهة، والنظام النفطي المحافظ المرتبط بالغرب من جهة أخرى.

خلال هذا الصراع، استخدمت السعودية والخليج المال والنفط والدين والإعلام والتحالفات الدولية لإضعاف الحركات القومية واليسارية والجمهورية، ولإعادة تشكيل المجال العربي بما يضمن استقرار الأنظمة الرجعية واستمرار ارتباط المنطقة بالنظام الغربي.

ومع تراجع المشاريع التحررية العربية، انتقل مركز الثقل من دول التصنيع والجمهوريات الثورية إلى دول النفط والأسواق والتحالفات الأمنية. تغيرت بنية الاقتصاد العربي، وتبدل الخطاب السياسي والثقافي، وتراجع مفهوم الوحدة والتحرر لمصلحة مفهوم الاستقرار وحماية الأنظمة متجاورا مع الخطاب الوهابي التكفيري.

لكن التناقضات التي فجرت الصراع العربي في الخمسينيات والستينيات لم تختفِ؛ فالتبعية الاقتصادية، والهيمنة الغربية، وغياب التنمية الحقيقية، واتساع الفجوة الاجتماعية، واستمرار القضية الفلسطينية، ما تزال جميعها حاضرة داخل الواقع العربي الراهن، وإن تغيرت أشكالها وخطاباتها. ولهذا يبدو الشرق الأوسط اليوم وكأنه يعيش نتائج ذلك الصراع التاريخي الطويل الذي أعاد تشكيل المنطقة العربية طوال العقود الماضية.