شهادات الأوساط الصهيونية من القادة إلى الجند.. حزب الله يحول ثكنات العدو إلى مصائد وجنوده إلى طرائد
تقرير | يحيى الشامي
في مشاهد باتت أشبه بفيلم إثارة ينشرها الإعلام الحربي للمقاومة الإسلامية في لبنان بشكل شبه يومي، لا يبدو الجنود الصهاينة كما اعتاد العالم رؤيتهم: “جيشاً لا يُقهر” يتقدم بالدبابات والطائرات، فلقطات كاميرات المراقبة و”درونات” حزب الله تظهرهم وهم يركضون مذعورين، يختفون داخل ثكنات مستحدثة، أو يقفزون من آلياتهم هاربين من طائرة مسيّرة صغيرة لا تكاد تُسمع.
في السادس من مايو الجاري، نشرت المقاومة مقطعاً لاستهداف تجمع للجنود في بلدة «البياضة»: مسيرة تنطلق بهدوء، تتجنب الآليات المصفوفة، وتطارد الجنود حتى باب المبنى الذي احتموا به، لتصطدم بمن لم يلحق بالدخول. بعد يومين، مشهد آخر في موقع «نمر الجمل» قرب علما الشعب: مسيرة تنقض على دبابة ميركافا، فيقفز جندي من فتحتها ويفر حافياً تقريباً. اليوم مشاهد أخرى، وغداً لقطات جديدة لعمليات مماثلة.
هذه المشاهد، التي يتابعها ملايين الصهيانة، لم تثر فقط الرعب في قلوب سكان الشمال المحتل، فقد فتحت باباً واسعاً من الاعترافات داخل المؤسسة العسكرية والإعلامية الصهيونية، حيث تعدّت هذه الضربات الحدود التكتيكية، وتحوّلت إلى «مطاردة ممنهجة» كما وصفها المحللون الصهاينة أنفسهم، وكشفت عن قدرة استثنائية للمقاومة اللبنانية على التكيف مع ساحة المعركة، وأخذ زمام المبادرة بوسائل بسيطة نسبياً لكنها مدمّرة نفسياً وعسكرياً.
الأكثر إيلاماً -وفق ما تبرزُه الرواية الصهيونية- ليس الفيديوهات التي ينشرها العدو، بل ما يقوله الصهاينة عن أنفسهم وعن عمليات المقاومة. في الأيام الأخيرة، تدفقت شهادات مراسلين عسكريين، وجنود احتياط، وقادة سابقين، ووزراء، كشفت عن رعب يجتاح الجميع مصدره القلق على صورة وواقع “أرقى جيوش المنطقة”، وهنا قصتهم بأصواتهم مرصودة من وسائل الإعلام العبرية المختلفة.
على قنوات 12 و13 و14، يتجاوز القلق قدرة كبار المراسلين العسكريين على تجميل الواقع. أور هيلر، المخضرم في القناة 13، قال خلال تقرير بُث مساء الخميس الماضي: «حزب الله يركز على المُحلِّقات باعتبارها نقطة ضعف لدى الجيش الإسرائيلي. فالاستهداف بات يشمل القوات وبطاريات القبة الحديدية على حد سواء، حيث يصعّب عمليات التشويش والاعتراض. هذه الوسائل الصغيرة تحولت إلى سلاح دقيق ومنخفض الكلفة، وبات الجيش يواجه تحدياً متصاعداً على الجبهة الشمالية». لم يتوقف هيلر عند الوصف، بل أشار إلى أن التحذيرات من هذا النوع من المسيرات كانت معروفة منذ حرب أوكرانيا، لكن المؤسسة الأمنية «لم تستعد له بالشكل الكافي».

أما زميله في القناة 12، نيتسان شابيرا، فذهب إلى اعتراف أكثر صراحة، قائلاً: «المُحلِّقات بدأت داخل جنوب لبنان، ثم انتقلت تدريجياً نحو أهداف داخل إسرائيل. بعض هذه المسيّرات نجح في تجاوز منظومات الرصد والكشف. هذا التهديد كان معروفاً منذ سنوات، والنتيجة نراها اليوم بإصابات متكررة في صفوف القوات». تأكيد شابيرا أن بعض المسيرات تجاوزت «القبة الحديدية» ووصلت إلى العمق هو ما دفع عشرات الآلاف من سكان المستوطنات الشمالية إلى قضاء لياليهم في الملاجئ.
.jpg)
صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الأكثر انتشاراً داخل كيان العدو الاسرائيلي، نشرت تحقيقاً مطولاً تحت عنوان «الطائرات بدون طيار ترهق الجيش في لبنان»، جاء فيه: «المسيرات الموجهة بالألياف الضوئية أصبحت تؤرق الجيش الإسرائيلي. الجيش لم يستعدّ لهذا التهديد بالشكل الأمثل، وهو الآن يحاول القضاء عليه. هناك قلق داخل إسرائيل، واستفسارات حول سبب تأخر المؤسسة الدفاعية»، واختتمت الصحيفة باقتباس مذهل من مصدر عسكري رفيع: «هذه المسيرات البسيطة والمزودة بألياف بصرية تثبت أنها أكثر ذكاء من جميع الحلول الأخرى».

لكن أكثر الروايات إيلاماً بالنسبة للأوساط الصهيونية تُرفع من خطوط النار من الميدان نفسه، إذاعة جيش العدو -نقلاً عن مصدر قوات الاحيتاط (جالي تساهال)- بثت مقابلات مع جنود يعملون في جنوب لبنان، تحدثوا فيها بصراحة غير معتادة قلما اعتدنا سماعها من جنود جيش العدو الذي يُفترض أنه الأفضل تسليحاً في المنطقة:
جندي احتياط فضّل عدم كشف هويته واكتفى بحرف «هـ» في التقرير الأصلي، وصف شعوره بعبارة موجزة: «الشعور مثل البوكر. المسيرة تأتي بهدوء. لا تحذيرات، وهذا كل شيء. نحن مكشوفون». وأضاف: «لا تعرف متى ستصل المسيّرة، ليس لديك أي طريقة للتعامل معها أو الدفاع عن نفسك، مؤخراً -وبمبادرات خاصة منا- حصلنا على شباك صيد ومعدات أخرى من شركات خاصة، وهذا حالياً الوسيلة الوحيدة للدفاع ضد هذه المسيّرات الانتحارية. أرى المسيرة بالألياف البصرية تأتي بهدوء، يمكن أن تظهر فجأة. تمكنا من إصابة بعضها بإطلاق نار من أسلحة خفيفة من مسافة 30-40 متراً، نحن مكشوفون تماماً. وضع لا تعرف فيه متى ستصل لأنه لا توجد تحذيرات محددة، لا إنذار، هناك إنذار عام، لكنها تأتي بهدوء وتنفجر».
شهادة الجندي الصهيوني تكشف حقيقة أن الجيش الذي ينفق مليارات الشواكل على أنظمة إنذار مبكر، يعجز عن رصد طائرات بدون طيار صغيرة ومربوطة بألياف بصرية لا تصدر أي ترددات لاسلكية. والحل الذي ابتكره الجنود أنفسهم هو «شباك صيد» يجرّونها فوق خيامهم وآلياتهم، وبعضها جرى شراؤها بالتبرعات.
ولم يكن هذا الاعتراف استثناءً، رقيب آخر في ما يعرف بـ قوات الاحتياط قال لـ«يديعوت أحرونوت»: «بدأنا نرتجل حلولاً ميدانية باستخدام شباك الصيد التي حصلنا عليها بجهد ذاتي… نقوم بجمع تبرعات لشراء هذه الشباك من خلال نشر روابط نطلب فيها المال من المدنيين لشراء معدات تنقذ حياتنا، بينما يُفترض بالجيش توفيرها». وأضاف بسخرية مريرة: «لا نفهم كيف ينجح جيش الدفاع في الوصول إلى قدرات اعتراض خارج الغلاف الجوي، وفي النهاية يقف بلا أي قدرة على الرد أمام مسيرات مفخخة من موقع ‘علي إكسبريس’».
بدورها شبكة CNN نقلت عن مصدر عسكري صهيوني اعترافاً بأن «الحواجز المادية مثل الشباك هي تقريباً الوسيلة الوحيدة المتاحة حالياً لمواجهة هذه المسيرات». وعلق الباحث الإسرائيلي يهوشوع كاليسكي، من معهد دراسات الأمن القومي، قائلاً « هذه المسيرات محمية من التشويش الإلكتروني، كما أن غياب البصمة الإلكترونية يجعل من المستحيل تقريباً معرفة مكان إطلاقها».
.jpg)
على المستوى السياسي والعسكري الرفيع، فتحت الإصابات المتتالية نافذة من الانتقادات اللاذعة. ما يُسمى رئيس الأركان الأسبق، الجنرال غادي آيزنكوت، قال في مقابلة مع إذاعة جيش العدو: «ما جرى ظهيرة الجمعة هو روتين جولات… بعد أكثر من عامين ونصف من الحرب، هذا دليل آخر على فشل الحكومة وحقيقة أنها فقدت الشمال. إقليم كامل تحت رحمة حزب الله، وجنود الجيش في لبنان بلا مهمة واضحة».
أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» المعارض، وصف الوضع بعبارة مقتضبة: «الشمال تحت النار بلا توقف، سكان الشمال والجنود في الجبهة يتعرضون للإهمال بصفة تامة، لا يمكن الاستمرار في العيش ضمن واقع يفرضه التهديد الأمني من جولة إلى جولة».
أما ما يُسمى وزير الدفاع السابق يوآف غالانت فكتب على منصة «إكس»: «وقاحة حزب الله لا تعرف حدوداً في ظل وهن حكومة إسرائيل. دماء سكان الشمال وجنود جيش الدفاع ليست مستباحة»، وطالب بأن «ترتعد بيروت وبعلبك والنبطية وصيدا تحت نيران جيش الدفاع». هذا التصريح الوقح من غالانت هو اعتراف صريح بعجز الكيان -رغم الغارات والمجازر اليومية- عن ردع ا لمقاومة الإسلامية أو الحد من عملياتها.

في الأروقة الخلفية للكابينيت كشف المراسل السياسي للقناة 14، تامير موراغ، عن خلافات حادة بين رئيس الأركان الحالي هرتسي هليفي والمستوى السياسي. قال موراغ: «على خلفية الارتفاع في عدد المصابين، تعبر جهات سياسية عن انتقادات تجاه رئيس الأركان من أنه يكفر بصلاحية المستوى السياسي، بل الادعاء أنه يوجه الوزراء وأعضاء الكابينيت نحو النتيجة التي يرغب فيها، أي البقاء في الانتشار الحالي للجيش بدلاً من التقدم حتى خط الليطاني».
ربما كان أكثر ما أثار الذهول في الأوساط العسكرية الصهيونية هو استهداف بطاريات القبة الحديدية نفسها، في ضربات جراحية دقيقة تظهر قوة المعلومة الاستخباراتية لدى المقاومة وقدرتها على الوصول، فقد نشر جيش العدو الإسرائيلي -في خطوة نادرة- مقطع فيديو يظهر طائرة FPV تابعة للمقاومة وهي تقترب من بطارية قبة حديدية، بينما الجنود يقفون قربها لاهين عن الخطر المتجه إليهم. «يديعوت أحرونوت» قالت إن هذه الحوادث أثارت «حالة من القلق »، خاصة بعد تسجيل إصابات مباشرة في منظومات الدفاع الجوي.
وبحسب تقرير مفصّل نشرته الصحيفة نفسها في 10 مايو الجاري، فقد أصيب أكثر من 100 جندي ومجندة جراء المسيرات منذ استئناف القتال في لبنان، وكشفت عن تكتيك “الاستهداف المزدوج” الذي يعتمده حزب الله في التنوّع بين إطلاق نار أو تفجير مسيرة مرة واحدة، ثم إرسال طائرة مسيرة أخرى لتستهدف قوات الإنقاذ التي تهرع إلى المكان، وهو تكتيك يحول كل عملية إلى كمين ممتد، ويزيد من عدد الإصابات، ويحبط أي محاولة لإخلاء الجرحى.
مع الوقت يبدو أن المقاومة تراكم خبرتها وقدرتها في استخدام هذا السلاح الجديد بما يعزز من قدراتها في خوض مواجهة غير متكافئة. يوم الأحد 10 مايو 2026، أعلنت المقاومة -في ثلاثة بيانات متتالية- عن استهداف تجمع لآليات وجنود الاحتلال في محيط ثكنة «بياض بليدا» بالأسلحة الصاروخية، وقصف موقعي «رويسات العلم» و«حدب يارين» بالمدفعية، واستهداف مقر قيادة كتيبة في موقع «الراهب» بالأسلحة المناسبة. في المقابل، تحفَّظ جيش العدو عن الاعتراف بعدد مصابيه، ولم يُفصح سوى عن إصابة جندي احتياط بجروح خطيرة وجنديين آخرين بجروح متوسطة.
الاعترافات الصهيونية المتتالية تشير إلى ثلاثة عوامل رئيسة تفسر هذا التفوق اللبناني غير المتوقع.
أولاً: تقنية الألياف الضوئية التي تعتمد عليها المسيرات الهجومية، والتي تجعلها محصنة ضد أي تشويش إلكتروني، وغير قابلة للكشف الراداري أو الترددي.
ثانياً: أسلوب “خلايا الصيادين” الذي كشف عنه موقع «ماكو» الإسرائيلي؛ حيث يدير حزب الله نحو 100 عنصر مدرب يعملون في مجموعات صغيرة ومشتتة، يصعب استهدافها قبل الإطلاق.
ثالثاً: الصبر التكتيكي واختيار الأهداف بدقة متناهية، كما وصفه الصحفي الأمريكي إيثان ليفنز، الذي قال: «مشغلو مسيرات حزب الله لم يعودوا في حالة عجلة، بل يختارون الأهداف بعناية؛ حيث يستطلع المشغل المعسكر، ثم يختار هدفه… هذا يمثل أخباراً مرعبة للجيش الإسرائيلي».

لم تثبت المقاومة فقط قدرتها على الصمود، بل أثبتت أيضاً قدرة فائقة على التكيف مع تطورات ساحة المعركة، وأخذِ زمام المبادرة بوسائل ذكية ومنخفضة الكلفة، واستغلال نقاط الضعف التي ظل جيش العدو الإسرائيلي يتجاهلها لسنوات- وفقاً للأوساط الصهيونية.
وبينما يبحث جيش العدو الآن عن “معادلة جديدة” (كما طالب المحلل يعقوب باردوغو بأن يكون الرد 20 ضعفاً لكل مسيرة)، ويجمع جنوده التبرعات لشراء شباك صيد من المغتصبين، تواصل كتائب الصيادين في حزب الله استعراض قدرتها على تحويل الثكنات العسكرية إلى مصائد، والجنود الصهاينة إلى طرائد. وفي المشاهد التي تبثها المقاومة يومياً، ومن خلال الاعترافات التي يدلي بها الخصم كل ساعة، يسير الوضع على نحو لم يكن يتخيّله الصهاينة في ظل قدرة المقاومة على فرض معادلة جديدة وإدخال أسلحة حديثة.
