ترامب يكتب الفصل الأسود الجديد لبلاده بحبر “إبستين”
تقرير | وديع العبسي
ليس بالقول الاستثنائي الربط بين فضائح إبستين والأجندة الصهيونية؛ فالعديد من نُخَب العالم باتوا يدركون أن الأمر سار وفق مخطط مدروس للوبي الصهيوني لسلب أنظمة العالم قرارها وجعلها رهينة مصالحه، بما في ذلك إخضاع هرم السلطة في أمريكا لخدمة رؤيته وأهدافه العسكرية التوسعية في “الشرق الأوسط” كيفما جاءت الكُلفة، وبعيداً حتى عن مصالح الشعب الأمريكي نفسه.
لذلك ظل كل رؤساء البيت الأبيض تحت المجهر الصهيوني، محاصَرين بقدرات اللوبي على تدمير أي رئيس أخلاقياً وإنسانياً، وحتى قتله كما حدث مع “كيندي”؛ فكان الجميع أداة طيّعة لرغبات الصهاينة في نشر الفوضى والعمل بما يسمى “الفوضى الهدامة”، ولم يجرؤ أحد منهم على اتخاذ قرار يمكن أن يتسبب بجعل الكيان “الإسرائيلي” في الموقف الأضعف.
وبالنظر إلى ما تقوم عليه الأجندة الصهيونية للمنطقة وللكيان الإسرائيلي، يتضح أن كل ما يجري اليوم من أعمال عدوانية طالت لبنان واليمن وإيران، مع استمرار التوحش ضد الفلسطينيين، ليس إلا تعجيلاً لتنفيذ مخطط قديم بأدوات ضغط حديثة من أجل تغيير وجه المنطقة جذرياً لصالح التمدد “الإسرائيلي”.
سيبقى إبستين يلفح الأمم بما خلّفه من أوراق ابتزاز؛ فالصهيوني الذي جرى تجنيده من الحركة الصهيونية العالمية نجح في أداء المهمة بإتقان بمعاونة الشيطان، ووضَع العالم هدفاً لمخططات الإخضاع. فالواجهة الدولية صارت قِطَع “شطرنج” تحت رحمة غرفة الرصد والتوثيق وإدارة المؤامرات بما تحتفظ به من “سيديهات”.
كان العالم قبل الفضائح مسلوب الإرادة أمام الولايات المتحدة، واليوم صارت رقاب الجميع بما فيها أمريكا تحت رحمة الغرفة الصهيونية؛ لم يعد بمقدورهم حتى التفكير في الخلاص، فاتجاه الطريق واحد، ولا قدرة على العودة؛ فإما الامتثال للأوامر أو نشر الغسيل.
ترامب، الدمية التي يتم تحسين واجهتها كل حين من خدوش السقوط القِيَمي والإنساني، يبقى —حتى الآن— الأكثر قابلية للعب الدور “الفرعوني” في التجبُّر والبطش، واستيعاب مخططات الشيطان والعمل عليها بنشر الفوضى وإقلاق سكينة العالم.
في حرب ترامب العدوانية الأخيرة على الجمهورية الإسلامية، لم يقف العالم كثيراً لقراءة الدوافع التي عجّلت من العدوان المرسوم سلفاً ضمن مخطط تغيير “الشرق الأوسط”؛ إذ جاء عقب قيام غرفة التحكم الصهيونية بتفجير قنبلة إبستين، دون التوقف بآثار التفجير عند حدود الصدمة والفضيحة الأخلاقية، وإنما جعلها بيئة لفرض “نظام سيطرة”، خصوصاً وأن الترتيب لإغراق المنطقة في الفوضى قبل إعادة تشكيلها وفق الرؤية الصهيونية كان على وشك الانهيار مع نجاح الجمهورية الإسلامية -خلال المفاوضات مع الأمريكيين بشأن الملف النووي- في تمييع أسباب أي تحرك عدواني.
كان المجتمع الدولي حينها يتابع مستجدات المحادثات على أمل الانتهاء إلى توافق يبعد عن العالم شبح حرب جديدة في منطقة تعد برميلاً نفطياً للعالم، وسوقاً حيوية لمنتجاته، ومحطة عبور استراتيجية لحركته التجارية؛ بينما كانت الغرفة الصهيونية تحاول حرف مسار النقاش، فحساباتها لا تتقبل أي شكل من أشكال الاتفاق، والمخطط يقتضي تفجير الوضع وخلط الأوراق ونشر الفوضى؛ فلا شرق أوسط جديد ما لم يتم تدمير آخر معاقل الرفض الإسلامي “إيران”.
اليوم تبدو ملفات “إبستين” الورقة الأكثر قدرة على تمرير المخططات واستخدامها للابتزاز، ولا يبدو أن تأثيرها سينتهي سريعاً أو قريباً، وقد لا ينهي رحيلُ “الأشخاص” المتورطين استمرارَ استغلال اللوبي الصهيوني لها في اتجاه ابتزاز النظام أو الحزب الذي ينتمي إليه المتورط. وتؤكد تقارير حول الدولة العميقة في الولايات المتحدة أن ظهور هذا الاشتغال “الإبستيني” الدولي لم يكن عفوياً أو مصادفة بقدر ما كان مخططاً له منذ عقود للاستفادة منه كأداة للابتزاز السياسي.
ورغم أن أمريكا لم تكن يوماً نظيفة من التمرد على قيم التعايش؛ تعتدي فتقتل وتنهب وتهدد وتحاصر، وليس بالأمر الغريب على نظامها المارق تنفيذ أي تحرك إرهابي جديد، إلا أن العبث “الترامبي” -منذ عودته إلى “البيت الأبيض”- يبدو في حِدّته أكبر من مجرد أعمال تقطُّعٍ ونهب وفرض هيمنة، إلى العمل بمخطط إحكام قبضة الكيان “الإسرائيلي” على رقاب الشعوب والأمم، بما يُنهي أعداءه، ويمنع أي ظهور عسكري مُنافِس، ويُخرج دول المنطقة —وبشكل خاص دول المحور— من معادلة القوة لعقود قادمة، ويجعله -في الحسابات الدولية- القوةَ المهيمنة الوحيدة التي تدير شؤون المنطقة تقنياً وعسكرياً.
في قراءة لمحللين أمريكان ودوليين، لم يذهبوا بعيداً عن القناعة بأن ترامب، الذي ورد ذكر اسمه في ملفات “إبستين” أكثر من 38,000 مرة، قد خضع لعملية ترويض صارمة وابتزاز بنشر غسيله الذي تميل بعض القراءات إلى أنه قد فاق ما عليه الآخرون. فترامب الذي رفع شعار “أمريكا أولاً” ووعد ناخبيه بعهد بلا حروب، يجد نفسه —ومع الرغبة الطبيعية في النهب— مدفوعاً بهذه الحالة من التشنج وفقدان القدرة على السيطرة على سلوكه لشن الحروب بالوكالة لصالح “إسرائيل”، إما لغسل سمعته أو لضمان استمراره في السلطة.
ويذكر النائب الديمقراطي “جيمي راسكين” بأن اسم ترامب ظهر أكثر من مليون مرة في النسخ غير المعدلة (أي التي لم تُحذف منها الأسماء) من الوثائق، وهو رقم يتجاوز بكثير ما ظهر في النسخ العلنية، وبعكس عدد (9) مرات فقط والتي أُشيعت في المرحلة الأولى من الكشف عن فضائح “إبستين” في منتصف عام 2025.
التوسع -بالصورة المباشرة أو غير المباشرة- لا ينبغي أن يكون إلا لليهود؛ هذا هو المعتقد الصهيوني، لهذا فإن تحرك أمريكا منفردة وخارج هذا التوجّه لا يستقيم مع مخطط الصهاينة لبناء قوة أمريكية تحت السيطرة تكون أداتهم في البطش العالمي.
خلص العالم إلى هذه الاستخلاصات من خلفيات: التوقيت الذي ارتبط -بعد مرور عام من تولي ترامب الرئاسة الثانية- بما قد أفسد فيه من إجراءات وعمليات غزو وخطف لرئيس دولة واتخاذ مواقف تصادمية. ارتفاع مستوى العنف تجاه الشرق الأوسط رغم أن أحداً لم يكن يشكل أي خطر على بلاده. والأهم هو ارتباط “جيفري إبستين” باستخبارات العدو “الإسرائيلي”. وهذا العامل الأخير فضح نفاق وازدواجية الاتصال الذي تتعامل به “إسرائيل” مع الآخرين؛ فهي تُظهر اتفاقاً وتبنياً لأهداف واحدة، لكنها في عين الوقت تعمل على امتلاك أوراق ضغط تجاه أي نظام حول العالم، وهكذا دائماً كان سلوكها.
ويبقى ترامب نموذجاً صارخاً؛ لم يشفع له وباقي قادة أمريكا صهيونيتهم والدعم الكبير الذي يقدمونه للكيان، فكان الفريسة الأوفر اهتماماً من اللوبي الصهيوني بما يتمتع به من “الغباء” والتخلف السياسي. فرضوا عليه تحييد “أمريكا أولاً” والدخول في أعمال عدوانية، والتخييم بهيمنة بلاده على رؤوس الأنظمة المأخوذة من الاستقلال بقراراتها بفعل الخوف. وتكشف تقارير أن ما مورس ضد “ترامب” لم يكن فقط فضائح إبستينية، وإنما أيضاً قضايا قانونية؛ فاللوبي شحذ قدراته لاستغلال حالة التماهي التي تعيشها معه الإدارات المتعاقبة بالدخول في مرحلة تحويل الأماني الصهيونية إلى واقع فعلي.
في السير إلى تعقيد وإرباك مسار التفاوض كان لابد من اختراقه بشكل حاد ينسف ما كان قد تم إنجازه. وترامب كان الورقة الرابحة للصهيونية لنسف المسار التفاوضي والدبلوماسي، بشخصيته غير المنضبطة، وهذياناته الخارجة عن العقل والمنطق، وسلوكه الطائش؛ لذلك لم يتطلب الأمر إلا التلويح بـ “الممسوكات” من ملف “إبستين”، ليدخل العالم -مباشرة بعده ودون سابق إنذار أو تحذير- في أتون حرب عدوانية جديدة زادت من إنهاك المنطقة والعالم، وجعلتهما في مواجهة تداعيات جديدة مؤثرة على الاستقرار الاقتصادي.
في هذا الوقت، وجدت بعض القوى العالمية في الصمت ملاذاً يمكن أن ينجيها من تلويحات مماثلة، خصوصاً وقد اتضح أن أكثر قادة العالم الغربي —الموصوف زيفاً وبهتاناً بالتحضر والتمدن والرقي— لم يكونوا نظيفين في أخلاقهم ولا سَوِييّن في سلوكهم، ما يجعلهم مشاريع فضائح جديدة في مجتمعاتهم، فضلاً عن إنهاء صلاحياتهم في ما يلعبونه من أدوار قيادية.
وفق نظرة الحركة الصهيونية للعالم والقائمة على مجموعة من التهيؤات والتخاريف القاضية بالهيمنة على كل الأرض والبشرية، فإنه حتى الصدارة “المطلقة” لأمريكا تمثل خطراً على الصهاينة، إلا في حال ضمان امتلاك القرار الأمريكي بصورة أبدية. فالجنس اليهودي أثبت -عبر حلقات زمنية ممتدة- عدم قابليته للآخر إلا كمخلوق مسيّر بإرادة الحاخامات والمصالح الصهيونية، وهو ما يفسر عدم استثناء قادة الأحزاب والمبرزين السياسيين على مستوى العالم من مؤامرة السيطرة والإغراق في وحل الفضائح (أخلاقية، أو بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وأحياناً الإمساك بملفات اغتيال سياسي والتغطية على الجناة بشكل تام)، مع الحفاظ عليها كقنابل فتيلها بيد المنظومة الصهيونية، تهدد بنزعه متى شاءت لتوجيه السياسات وفق المصلحة العليا لحركتهم وكيانهم “المشوّه” في المنطقة.
